تيسير العلي القدير لاختصار تفسير ابن كثير — محمد نسيب الرفاعي
عن الكتاب
يقول تعالى :﴿حم* تَنزِيلٌ مِّنَ الرحمن الرحيم﴾ يعني القرآن منزل من الرحمن الرحيم، كقوله :﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ القدس مِن رَّبِّكَ بالحق﴾ [النحل: ١٠٢]، وقوله :﴿كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ﴾ أي بينت معانيه وأحكمت أحكامه، ﴿قُرْآناً عَرَبِيّاً﴾ أي في حال كونه قرآناً عربياً بيناً واضحاً، فمعانيه مفصلة، وألفاظه واضحة، كقوله تعالى :﴿كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ [هود: ١] أي هو معجز من حيث لفظه ومعناه، وقوله تعالى :﴿لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ أي إما يعرف هذا العلماء الراسخون ﴿بَشِيراً وَنَذِيراً﴾ أي تارة يبشر المؤمنين، وتارة ينذر الكافرين، ﴿فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لاَ يَسْمَعُونَ﴾ أي أكثر قريش فهم لا يفهمون منه شيئاً مع بيانه ووضوحه، ﴿وَقَالُواْ قُلُوبُنَا في أَكِنَّةٍ﴾ أي في غلف مغطاة، ﴿مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذانِنَا وَقْرٌ﴾ أي صمم عما جئتنا به ﴿وَمِن بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ﴾ فلا يصل إلينا شيء مما تقول، ﴿فاعمل إِنَّنَا عَامِلُونَ﴾ أي اعمل أنت على طريقتك ونحن على طريقتنا لا نتابعك، روى « البغوي في تفسيره » عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال :« اجتمعت قريش يوماً فقالوا : انظروا أعلمكم بالسحر والكهانة والشعر، فليأت هذا الرجل الذي فرق جماعتنا وشئت أمرنا وعاب ديننا، فليكلمه ولننظر ماذا يرد عليه، فقالوا : ما نعلم أحداً غير ( عتبة بن ربيعة )، فقالوا : أنت يا أبا الوليد، فأتاه عتبة فقال : يا محمد أنت خير أم عبد الله؟ فسكت رسول الله ﷺ، فقال : أنت خير أم عبد المطلب؟ فسكت رسول الله ﷺ، فقال : إن كنت تزعم أن هؤلاء خير منك فقد عبدوا الآلهة التي عبت، وإن كنت تزعم أنك خير منهم فتكلم حتى يسمع قولك، إنا والله ما رأينا سخَلَةً قط أشأم على قومك منك، فرّقت جماعتنا وشتّت أمرنا، وعبت ديننا، وفضحتنا في العرب، حتى لقد طار فيهم أن في قريش ساحراً، وأن في قريش كاهناً، والله ما ننتظر إلا مثل صيحة الحبلى أن يقوم بعضنا إلى بعض بالسيوف، حتى نتفانى، أيها الرجل إن كان إنما بك الحاجة، جمعنا لك حتى تكون أغنى قريش رجلاً واحداً، وإن كان إنما بك الباءة فاختر أي نساء قريش شئت فلنزوجك عشراً، فقال رسول الله ﷺ :» فرغت «؟ قال : نعم، فقال رسول الله ﷺ :﴿حم* تَنزِيلٌ مِّنَ الرحمن الرحيم﴾ - حتى بلغ - ﴿فَإِنْ أَعْرَضُواْ فَقُلْ أَنذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِّثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ﴾ [فصلت: ١٣] فأمسك عتبة على فيه، وناشده بالرحم، ورجع إلى أهله، ولم يخرج إلى قريش، واحتبس عنهم، فقال أبو جهل : يا معشر قريش والله ما نرى عتبة إلا قد صبأ إلى محمد وأعجبه طعامه، وما ذاك له إلا من حاجة أصابته، فانطلقوا بنا إليه، فقال أبو جهل : يا عتبة ما حبسك عنا إلا أنك صبأت إلى محمد وأعجبك طعامه، فإن كانت بك حاجة جمعنا لك من أموالنا ما يغنيك عن طعام محمد، فغضب عتبة وأقسم أن لا يكلم محمداً أبداً، وقال : والله لقد علمتم أني من أكثر قريش مالاً، ولكني أتيته وقصصت عليه القصة، فأجابني بشيء والله ما هو بشعر ولا كهانة ولا سحر، وقرأ السورة إلى قوله تعالى :﴿فَإِنْ أَعْرَضُواْ فَقُلْ أَنذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِّثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ﴾ [فصلت: ١٣] فأمسكت بفيه ونشادته بالرحم أن يكف، وقد علمتم أن محمداً إذا قال شيئاً لم يكذب، فخشيت أن ينزل بكم العذاب ».
وروى محمد بن إسحاق في كتاب السيرة عن محمد بن كعب القرظي قال :« حدثت أن عتبة بن ربيعة، وكان سيداً، قال يوماً وهو جالس في نادي قريش ورسول الله ﷺ جالس في المسجد وحده : يا معشر قريش ألا أقوم إلى محمد فأكلمه وأعرض عليه أموراً، لعله أن يقبل بعضها فنعطيه أيها شاء ويكف عنا؟ وذلك حين أسلم حمزة رضي الله عنه، ورأوا أصحاب رسول الله ﷺ يزيدون ويكثرون، فقالوا : بلى يا أبا الوليد، فقم إليه فكلمه، فقام إليه عتبة حتى جلس إلى رسول الله ﷺ فقال : يا ابن أخي إنك منا حيث علمت من السلطة في العشيرة والمكان في النسب، وإنك قد أتيت قومك بأمر عظيم فرقت به جماعتهم، وسفهت به أحلامهم، وعبت به آلهتهم ودينهم، وكفَّرت به من مضى من آبائهم، فاسمع مني أعرض عليك أموراً تنظر فيها لعلك تقبل منها بضعها، قال : فقال له رسول الله ﷺ :» قل يا أبا الوليد أسمع «، قال : يا ابن أخي إن كنت إنما تريد بما جئت به من هذا الأمر مالاً جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالاً، وإن كنت تريد به شرفاً سودناك علينا حتى لا نقطع أمراً دونك، وإن كنت تريد به ملكاً ملكناك علينا، إن كان هذا الذي يأتيك رِئياً تراه لا تستطيع رده عن نفسك، طلبنا لك الأطباء وبذلنا فيه أموالنا حتى نبرئك منه، فإنه ربما غلب التابع على الرجل حتى يداوى منه أو كما قال له، حتى إذا فرغ عتبة ورسول الله ﷺ يستمع منه قال :» أفرغت يا أبا الوليد؟ « قال : نعم، قال :» فاستمع مني «، قال : أفعل، قال : حم* تَنزِيلٌ مِّنَ الرحمن الرحيم * كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ * بَشِيراً وَنَذِيراً فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لاَ يَسْمَعُونَ }، ثم مضى رسول الله ﷺ فيها وهو يقرؤها عليه، فلما سمع عتبة أنصت لها وألقى يديه خلف ظهره معتمداً عليهما يستمع منه، حتى انتهى رسول الله ﷺ إلى السجدة منها فسجد، ثم قال :» قد سمعت يا أبا الوليد ما سمعت، فأنت وذاك «، فقالم عتبة إلى أصحابه، فقال بعضهم لبعض، نحلف بالله لقد جاءكم أبو الوليد بغير الوجه الذي ذهب به فلما جلس إليهم قالوا : ما وراءك يا أبا الوليد؟ قال : ورائي أني سمعت قولاً و الله ما سمعت مثله قط، والله ما هو بالسحر، ولا بالشعر، ولا بالكهانة، يا معشر قريش أطيعوني واجعلوها لي، خلوا بين الرجل وبين ما هو فيه، فاعتزلوه، فوالله ليكونن لقوله الذي سمعت نبأ، فإن تصبه العرب، فقد كفيتموه بغيركم، وإن يظهر على العرب فملكه ملككم، وعزه عزكم وكنتم أسعد الناس به، قالوا : سحرك والله يا أبا الوليد بلسانه، قال : هذا رأيي فيه، فاصنعوا ما بدا لكم. وهذا السياق أشبه من الذي قبله والله أعلم ».