الهداية الى بلوغ النهاية — مكي بن أبي طالب

عن الكتاب
ثم قال تعالى :﴿وذلكم ظنكم الذي ظننتم بربكم أرداكم﴾ أي : وذلك الذي جنيتم في الدنيا على أنفسكم من معاصي الله هو من ظنكم الذي ظننتم أن الله لا يعلم ما تعملون، أهلككم ذلكم(١) الظن فأصبح في الآخرة من الذين خسروا أنفسهم.
وقرأ الحسن هذه الآية ثم قال : قال الله جل ذكره : عبدي، أنا عند ظنه بي(٢)، وأنا معه إذا دعاني(٣).
ثم نظر الحسن فقال : إنما عمل الناس على قدر ظنونهم بربهم، فأما المؤمن فأحسن بالله الظن وأحسن(٤) العمل، ( وأما الكافر والمنافق فأساء الظن وأساء العمل(٥) ).
وذكر معمر(٦) أنه بلغه أنه(٧) :( يؤمر برجل إلى النار فيلتفت فيقول : يا رب، ما كان هذا ظني بك(٨). قال :( وما كان ظنك(٩) ) قال : كان ظني بك أن تغفر لي ولا تعذبني قال : فإني عند ظن عبدي(١٠).
وقال قتادة : الظن ظننان : ظن مُرْدٍ، وظن مُنْجٍ، فأما الذين يظنون أنهم ملاقوا ربهم، ومن قال :﴿إني ظننت أني(١١) ملاق حسابية(١٢) فهذا الظن المنجي – ظن ظنا يقينا – قال : وقال هاهنا :﴿وذلكم ظنكم الذي ظننتم بربكم أرداكم﴾ فهذا ظن مرد(١٣).
وقوله عن قول الكافرين :﴿إن نظن إلا ظنا(١٤) مثله.
قال قتادة : وذكر لنا أن نبي الله عليه السلام كان يقول ويروي عن ربه عز وجل : " عبدي(١٥) أنا عند ظنه بي وأنا معه إذا دعاني " (١٦).
فمعنى الآية : وهذا الظن الذي ظننتم بربكم أنه لا يعلم كثيرا مما تعملون هو الذي أهلككم لأنكم(١٧) من أجل هذا الظن الخبيث تجرأتم على محارم الله سبحانه، وركبتم ما نهاكم عنه فأهلككم ذلك وأصبحتم في القيامة من الذين خسروا أنفسهم فهلكوا.
وقد روى جابر بن عبد الله أن النبي ﷺ قال : " من استطاع منكم ألا يموت إلا وهو يحسن(١٨) الظن بالله فليفعل. ثم تلا(١٩) :﴿وذلكم ظنكم الذي ظننتم بربكم﴾ الآية(٢٠).
واستحب العلماء للرجل المؤمن أن يكون الخوف عليه في صحته أغلب من الرجاء، فإذا مرض وحضرت وفاته استحبوا(٢١) أن يكون الرجاء في عفو الله أغلب عليه من الخوف.
١ (ت): ذلك..
٢ ساقط من (ت)..
٣ أخرجه البخاري في كتاب التوحيد ٩٧ باب ١٥ ح ٧٤٠٥ وباب ٣٥ ح ٧٥٠٥ ومسلم في كتاب التوبة باب الحض على التوبة ح ١/ج ٤/١٢٠٢ وكتاب الذكر ح ١ ج٤/٢٠٦١ وح ١٩ منه ج ٤/٢٠٦٧، والترمذي في كتاب الزهد باب حسن الظن بالله تعالى ج ٩/٢٣٣ وقال حديث حسن صحيح، وابن ماجة في كتاب الأدب ٣٣ باب ٥٨ فضل العمل ح ٣٨٢٢، وأحمد ٢/٢٥١ و٣١٥ و٣٩١ و٤١٣ و٤٤٥ و ٤٨٢ و ٥١٦ و ٥١٧ و ٥٢٤ و ٢/٣١٨ كلهم عن أبي هريرة بمعناه..
٤ (ح): وأساء..
٥ ساقط من (ح). وانظر: جامع البيان ٢٤/٧٠، وتفسير ابن كثير ٤/٩٨..
٦ هو معمر بن راشد بن أبي عمرو الأزدي البصري الحراني أبو عروة، روى عن الأعمش وقتادة والزهري وغيرهم. خرج له الجماعة. توفي سنة ١٥٣ هـ.
انظر: الجرح والتعديل ٨/٢٥٥ ت ١١٦٥، وتذكرة الحفاظ ١/١٩٠ ت ١٨٤، وميزان الاعتدال ٤/١٥٤ ت ٨٥٨٢..

٧ ساقط من (ح)..
٨ (ت): فيك..
٩ (ت): وما كان أظنك بي..
١٠ انظر: تخريجه في الحديث قبله..
١١ فوق السطر في (ح)..
١٢ الحاقة: ١٩..
١٣ انظر: جامع البيان ٢٤/٧٠، وقد ورد في المحرر الوجيز ١٤/١٧٧ مختصرا..
١٤ الجاثية: ٣١..
١٥ ساقط من (ت)، وفي طرة (ح)..
١٦ مضى تخريجه في الحديث ما قبل الأخير..
١٧ (ح): لأنه..
١٨ (ح): حسن..
١٩ (ح): تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم..
٢٠ أخرجه مسلم في كتاب الجنة باب ١٩: الأمر بحسن الظن بالله تعالى عند الموت ج ٤/٢٢٠٥، وأبو داود في كتاب الجنائز ١٥ باب ١٧ حسن الظن بالله عند الموت، وابن ماجة كتاب الزهد ٣٧ باب ١٤ التوكل واليقين ح ٤١٥٧..
٢١ (ت"): يستحبون..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى