البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي

عن الكتاب
التقييض : تهيئة الشيء وتيسيره، وهذان ثوبان قيضان، إذا كانا متكافئين في الثمن، وقايضني بهذا الثوب : أي خذه وأعطني به بدله، والمقايضة : المعارضة.
ولما ذكر تعالى الوعيد الشديد في الدنيا والآخرة على كفر أولئك الكفرة، أردفه بذكر السبب الذي أوقعهم في الكفر فقال :﴿وقضينا لهم قرناء﴾ : أي سببنا لهم من حيث لم يحتسبوا.
وقيل : سلطنا ووكلنا عليهم.
وقيل : قدرنا لهم.
وقرناء : جمع قرين، أي قرناء سوء من غواة الجن والإنس ؛ ﴿فزينوا لهم﴾ : أي حسنوا وقدروا في أنفسهم ؛ ﴿ما بين أيديهم﴾، قال ابن عباس : من أمر الآخرة، أنه لا جنة ولا نار ولا بعث.
﴿وما خلفهم﴾، قال ابن عباس : من أمر الدنيا، من الضلالة والكفر ولذات الدنيا.
وقال الكلبي :﴿ما بين أيديهم﴾ : أعمالهم التي يشاهدونها، ﴿وما خلفهم﴾ : ما هم عاملوه في المستقبل.
وقال ابن عطية :﴿ما بين أيديهم﴾، من معتقدات السوء في الرسل والنبوات ومدح عبادة الأصنام واتباع فعل الآباء، ﴿وما خلفهم﴾ : ما يأتي بعدهم من أمر القيامة والمعاد.
انتهى، ملخصاً، وهو شرح قول الحسن، قال :﴿ما بين أيديهم﴾ من أمر الدنيا، ﴿وما خلفهم﴾ من أمر الآخرة.
وقال الزمخشري : فإن قلت : كيف جاز أن يقيض لهم القرناء من الشياطين وهو ينهاهم عن اتباع خطواتهم ؟ قلت : معناه أنه خذلهم ومنعهم التوفيق لتصميمهم على الكفر، فلم يبق لهم قرناء سوى الشياطين، والدليل عليه :﴿ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطاناً﴾ انتهى، وهو على طريقة الاعتزال.
﴿وحق عليهم القول﴾ : أي كلمة العذاب، وهو القضاء المختم، بأنهم معذبون.
﴿في أمم﴾ : أي في جملة أمم، وعلى هذا قول الشاعر :
إن تك عن أحسن الصنيعة مأفوكاً ففي آخرين قد أفكوا
أي : فأنت في جملة آخرين، أو فأنت في عدد آخرين، لست في ذلك بأوحد.
وقيل : في بمعنى مع، ولا حاجة للتضمين مع صحة معنى في.
وموضع في ﴿أمم﴾ نصب على الحال، أي كائنين في جملة أمم، وذو الحال الضمير في عليهم.
﴿إنهم كانوا خاسرين﴾ : الضمير لهم وللأمم، وهذا تعليل لاستحقاقهم العذاب.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى