الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي

عن الكتاب
قوله :﴿ذَلِكَ﴾ : فيه وجهان، أحدهما : أنه مبتدأٌ و " جزاءُ " خبره. والثاني : أنه خبرُ مبتدأ محذوفٍ أي : الأمرُ ذلك و ﴿جَزَآءُ أَعْدَآءِ اللَّهِ النَّارُ﴾ جملةٌ مستقلةٌ مبيِّنَةٌ للجملةِ قبلَها.
قوله :" النارُ " فيه ثلاثةُ أوجهٍ، أحدُها : أنها بدلٌ مِنْ " جزاء "، وفيه نظرٌ ؛ إذ البدلُ يَحُلُّ مَحَلَّ المبدلِ منه، فيصيرُ التقديرُ : ذلك النار. الثاني : أنها خبرُ مبتدأ مضمرٍ. الثالث : أنها مبتدأٌ، و ﴿لَهُمْ فِيهَا دَارُ الخُلْدِ﴾ الخبر. و " دارُ " يجوز ارتفاعُها بالفاعليَّة أو الابتداءِ.
وقوله :﴿فِيهَا دَارُ الخُلْدِ﴾ يقتضي أَنْ تكونَ " دارُ الخلد " غيرَ النارِ، وليس الأمرُ كذلك، بل النارُ هي نفسُ دارِ الخُلْدِ. وأُجيب عن ذلك : بأنَّه قد يُجْعَلُ الشيءُ ظَرْفاً لنفسِه باعتبارِ متعلَّقِه على سبيل المبالغةِ، كأنَّ ذلك المتعلَّقَ صار مستقَراً له، وهو أبلغُ مِنْ نسبةِ المتعلَّقِ إليه على سبيلِ الإِخبارِ به عنه، ومثلُه قولُه :
٣٩٥٩. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . *** وفي اللَّهِ إنْ لم يُنْصِفُوا حَكَمٌ عَدْلُ
وقوله تعالى :﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١]، والرسولُ عليه السلام هو نفسُ الأُسْوةِ. كذا أجابوا. وفيه نظرٌ ؛ إذ الظاهرُ - وهو معنىً صحيحٌ منقولٌ - أنَّ في النار داراً تُسَمَّى دارَ الخلدِ، والنارُ مُحيطةٌ بها.
قوله :" جَزاءً " في نصبِه ثلاثةُ أوجهٍ، أحدُها : أنَّه منصوبٌ بفعلٍ مقدرٍ، وهو مصدرٌ مؤكدٌ أي : يُجْزَوْن جزاءَ. الثاني : أَنْ يكونَ منصوباً بالمصدرِ الذي قبلَه، وهو ﴿جَزَآءُ أَعْدَآءِ اللَّهِ﴾، والمصدرُ يُنْصَبُ بمثلِه كقوله/ :
﴿فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَآؤُكُمْ جَزَاءً﴾ [الإسراء: ٦٣]. الثالث : أَنْ يَنْتَصِبَ على أنه مصدرٌ واقعٌ موقعَ الحالِ، و " بما " متعلِّقٌ ب " جَزاء " الثاني، إنْ لم يكنْ مؤكِّداً، وبالأول إن كان، و " بآياتِنا " متعلِّقٌ ب " يَجْحَدون ".

تفسير هذه الآية من كتب أخرى