فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني

عن الكتاب
شرع سبحانه في بيان بعض آياته البديعة الدالة على كمال قدرته، وقوّة تصرفه للاستدلال بها على توحيده، فقال :﴿وَمِنْ ءاياته اليل والنهار والشمس والقمر﴾، ثم لما بيّن أن ذلك من آياته نهاهم عن عبادة الشمس والقمر، وأمرهم بأن يسجدوا لله عزّ وجلّ، فقال :﴿لاَ تَسْجُدُواْ لِلشَّمْسِ وَلاَ لِلْقَمَرِ﴾، لأنهما مخلوقان من مخلوقاته، فلا يصح أن يكونا شريكين له في ربوبيته ﴿واسجدوا لِلَّهِ الذي خَلَقَهُنَّ﴾ أي : خلق هذه الأربعة المذكورة، لأن جمع ما لا يعقل حكمه حكم جمع الإناث، أو الآيات، أو الشمس، والقمر، لأن الاثنين جمع عند جماعة من الأئمة ﴿إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ قيل : كان ناس يسجدون للشمس، والقمر كالصابئين في عبادتهم الكواكب، ويزعمون أنهم يقصدون بالسجود لهما السجود لله، فنهوا عن ذلك، فهذا وجه تخصيص ذكر السجود بالنهي عنه. وقيل : وجه تخصيصه أنه أقصى مراتب العبادة، وهذه الآية من آيات السجود بلا خلاف، وإنما اختلفوا في موضع السجدة، فقيل : موضعه عند قوله :﴿إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾، لأنه متصل بالأمر، وقيل عند قوله :﴿وَهُمْ لاَ يَسْئَمُونَ﴾، لأنه تمام الكلام.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى