فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني
عن الكتاب
﴿إِنَّ الذين كَفَرُواْ بالذكر لَمَّا جَاءهُمْ﴾ الجملة مستأنفة مقرّرة لما قبلها، وخبر إن محذوف، أي إن الذين كفروا بالقرآن لما جاءهم يجازون بكفرهم، أو هالكون، أو يعذّبون. وقيل : هو قوله :﴿يُنَادَوْنَ مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ﴾، وهذا بعيد، وإن رجحه أبوعمرو بن العلاء. وقال الكسائي : إنه سدّ مسدّه الخبر السابق، وهو :﴿لاَ يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا﴾. وقيل : إن الجملة بدل من الجملة الأولى، وهي الذين يلحدون في آياتنا، وخبر إن هو الخبر السابق ﴿وَإِنَّهُ لكتاب عَزِيزٌ﴾ أي القرآن الذي كانوا يلحدون فيه، أي عزيز عن أن يعارض، أو يطعن فيه الطاعنون، منيع عن كل عيب.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: وقد أخرج ابن أبي شيبة، والحاكم وصححه، والبيهقي في سننه من طريق سعيد بن جبير، عن ابن عباس : أنه كان يسجد بآخر الآيتين من حم السجدة، وكان ابن مسعود يسجد بالأولى منهما. وأخرج ابن سعد، وابن أبي شيبة من طريق نافع عن ابن عمر : أنه كان يسجد بالأولى. وأخرج سعيد بن منصور عنه : أنه كان يسجد في الآية الأخيرة. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله :﴿إِنَّ الذين يُلْحِدُونَ في ءاياتنا﴾ قال : هو أن يضع الكلام على غير موضعه. وأخرج ابن مردويه عنه في قوله :﴿أَفَمَن يلقى في النار﴾ قال : أبو جهل بن هشام ﴿أَم مَّن يأتي آمِناً يَوْمَ القيامة﴾ قال : أبو بكر الصديق. وأخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن عساكر عن بشير بن تميم قال : نزلت هذه الآية في أبي جهم، وعمار بن ياسر. وأخرج ابن عساكر عن عكرمة مثله. وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس في قوله :﴿اعملوا مَا شِئْتُمْ﴾ قال : هذا لأهل بدر خاصة. وأخرج ابن أبي حاتم، وابن مردويه عن ابن عباس في قوله :﴿وَلَوْ جعلناه قُرْءاناً أعْجَمِيّاً﴾ الآية يقول : لو جعلنا القرآن أعجمياً، ولسانك يا محمد عربيّ لقالوا : أعجميّ، وعربيّ تأتينا به مختلفاً أو مختلطاً ﴿لَوْلاَ فُصّلَتْ ءاياته﴾ هلا بينت آياته، فكان القرآن مثل اللسان. يقول : فلم نفعل لئلا يقولوا، فكانت حجة عليهم.