المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز — ابن عطية

عن الكتاب
ثم قال تعالى :﴿إن الذين كفروا بالذكر لما جاءهم﴾. يريد قريشاً. و«لذكر » : القرآن بإجماع. واختلف الناس في الخبر عنهم أين هو ؟ فقالت فرقة : هو في قوله :﴿أولئك ينادون من مكان بعيد﴾(١) ذكر النقاش أن بلال بن أبي بردة(٢) سأل عن هذا في مجلسه وقال : لم أجد لها نفاذاً، فقال له أبو عمرو بن العلاء(٣) : إنه منك لقريب ﴿أولئك ينادون﴾ [فصلت: ٤٤]. ويرد هذا النظر كثرة الحائل، وإن هنالك قوماً قد ذكروا بحسن رد قوله :﴿أولئك ينادون﴾ [فصلت: ٤٤] عليهم. وقالت فرقة : الخبر مضمر تقديره :﴿إن الذين كفروا بالذكر لما جاءهم﴾ هلكوا أو ضلوا. وقال بعض نحويي الكوفة الجواب في قوله :﴿وإنه لكتاب عزيز﴾ حكى ذلك الطبري، وهو ضعيف لا يتجه، وسأل عيسى بن عمر عمرو بن عبيد عن هذا، فقال عمرو معناه في التفسير :﴿إن الذين كفروا بالذكر لما جاءهم﴾ كفروا به ﴿وإنه لكتاب﴾، فقال عيسى بن عمر : أجدت يا أبا عثمان.
قال القاضي أبو محمد : والذي يحسن في هذا هو إضمار الخبر، ولكنه عند قوم في غير هذا الموضع الذي قدره هؤلاء فيه، وإنما هو بعد ﴿حكيم حميد﴾ وهو أشد إظهاراً لمذمة الكفار به، وذلك أن قوله :﴿وإنه لكتاب﴾ داخل في صفة الذكر المكذب به، فلم يتم ذكر المخبر عنه إلا بعد استيفاء وصفه، وهذا كما تقول : تخالف زيداً وهو العالم الودود الذي من شأنه ومن أمره، فهذه كلها أوصاف.
ووصف تعالى الكتاب بالعزة، لأنه بصحة معانيه ممتنع الطعن فيه والإزراء عليه، وهو محفوظ من الله تعالى، قال ابن عباس : معناه كريم على الله تعالى، قال مقاتل : منيع من الشيطان. قال السدي : غير مخلوق.
١ ستأتي في الآية (٤٤)..
٢ هو بلال بن أبي بردة بن أبي موسى الأشعري، قاضي البصرة، مقل، قال عنه الحافظ ابن حجر العسقلاني في تقريب التهذيب: (من الخامسة، مات سنة نيف وعشرين)..
٣ أبو عمرو بن العلاء بن عمار بن العريان المازني النحوي، اسمه زيان، أو يحيى، أو العريان، أو جزء، قال عنه الحافظ ابن حجر العسقلاني في تقريب التهذيب: ثقة، من علماء العربية، من الخامسة، مات سنة أربع وخمسين وهو ابن ست وثمانين سنة..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى