الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — الزمخشري

عن الكتاب
والأكنة : جمع كنان. وهو الغطاء و«الوقر » بالفتح - الثقل. وقرىء : بالكسر. وهذه تمثيلات لنبوّ قلوبهم عن تقبل الحق واعتقاده، كأنها في غلف وأغطية تمنع من نفوذه فيها، كقوله تعالى :﴿وَقَالُواْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ﴾ [البقرة: ٨٨] ومج أسماعهم له كأن بها صمماً عنه، ولتباعد المذهبين والدينين كأن بينهم وما هم عليه، وبين رسول الله ﷺ وما هو عليه : حجاباً ساتراً وحاجزاً منيعاً من جبل أو نحوه، فلا تلاقي ولا ترائي ﴿فاعمل﴾ على دينك ﴿إِنَّنَا عاملون﴾ على ديننا، أو فاعمل في إبطال أمرنا، إننا عاملون في إبطال أمرك. وقرىء :«إنا عاملون »
فإن قلت : هل لزيادة ( من ) في قوله :﴿وَمِن بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ﴾ فائدة ؟ قلت : نعم، لأنه لو قيل : وبيننا وبينك حجاب : لكان المعنى : أن حجاباً حاصل وسط الجهتين، وأما بزيادة ( من ) فالمعنى : أن حجاباً ابتدأ منا وابتدأ منك، فالمسافة المتوسطة لجهتنا وجهتك مستوعبة بالحجاب لا فراغ فيها.
فإن قلت : هلا قيل : على قلوبنا أكنة، كما قيل : وفي آذاننا وقر ؛ ليكون الكلام على نمط واحد ؟ قلت : هو على نمط واحد ؛ لأنه لا فرق في المعنى بين قولك : قلوبنا في أكنة. وعلى قلوبنا أكنة. والدليل عليه قوله تعالى :﴿إِنَّا جَعَلْنَا على قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً﴾ ولو قيل : إنا جعلنا قلوبهم في أكنة : لم يختلف المعنى، وترى المطابيع منهم لا يراعون الطباق والملاحظة إلاّ في المعاني.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى