الجواهر الحسان في تفسير القرآن — الثعالبي

عن الكتاب
وقوله تعالى :﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ موسى﴾ الآية، الظاهرُ مِنْ أمرِ فِرْعَوْنَ أنه لمَّا بَهَرَتْهُمْ آيات موسى عليه السلام أنهد رُكْنُهُ، واضطربت معتقداتُ أَصْحَابِهِ، ولم يَفْقِدْ مِنْهُمْ من يجاذبُهُ الْخِلاَفُ في أمْرِه، وذلك بَيِّنٌ مِنْ غَيرِ مَا مَوْضِعٍ مِنْ قِصَّتهما، وفي هذه الآية على ذلك دَلِيلاَنِ :
أحدُهما : قوله :﴿ذروني﴾ ؛ فليستْ هذه مِنْ ألفاظِ الجَبَابِرَةِ المتمكِّنِينَ مِنْ إنفاذ أوامِرِهمْ.
والدليل الثاني : مَقَالَةُ المُؤْمِنِ وَمَا صَدَعَ به، وإنَّ مكاشَفَتَهُ لِفِرْعَوْنَ أكْثَرُ مِنْ مُسَاتَرَتِهِ، وحُكْمُه بِنُبُوَّءةِ موسى أظْهَرُ من تَوْرِيَتِهِ في أَمْرِهِ، وأَمَّا فِرْعَوْنُ فإنما نَحا إلى المَخْرَقَةِ والتَمْوِيهِ والاضْطرابِ، ومن ذلك قوله :﴿ذروني أَقْتُلْ موسى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ﴾ أي : إني لا أبالي بربِّ موسى، ثم رجَعَ إلى قومِه يُرِيهُم النَّصِيحَةَ والحمايةُ لهم، فقالَ :﴿إني أَخَافُ أَن يُبَدِّلَ دِينَكُمْ﴾ والدين : السلطانُ ؛ ومنه قولُ زُهَيْرٍ :
لَئِنْ حَلَلْتَ بِحَيٍّ في بَنِي أَسَدٍفي دِينِ عَمْرٍو وَحَالَتْ بَيْنَنَا فَدَكُ
وقرأ حمزةُ والكسائي وعاصم :( أَوْ أَنْ يُظْهِرَ ) وقرأ الباقون :( وَأَنْ يُظْهِرَ ) ؛ فعلَى القراءةِ الأولى : خافَ فِرْعَوْنُ أَحَدَ أمْرَيْنِ، وعلى الثانيَةِ : خَافَ الأَمْرَيْنِ معاً.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى