كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحدادي اليمني

عن الكتاب
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿تَنزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ ؛ أي هذه تنْزِيلُ الكتاب من الله العزيزِ العليم بخَلقهِ، وقرأ حم بفتح الميمِ ؛ أي أُتْلُ حَمِيمُ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿غَافِرِ الذَّنبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ﴾ ؛ أي غافرِ الذنب لِمَن قالَ لاَ إلَهَ إلاَّ اللهُ، وهم أولياؤهُ وأهلُ طاعتهِ، وقابلِ التَّوب من الشِّركِ، شديدِ العقاب لِمَن ماتَ على الشِّركِ.
والتَّوْبُ : جمعُ التَّوبَةِ، ويجوزُ أن يكون مَصدراً مِن تَابَ يَتُوبُ تَوباً، قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ذِي الطَّوْلِ﴾ ؛ أي ذِي الغِنَى عمَّن لا يُوحِّدهُ ولا يقولُ : لاَ إلهَ إلاَّ اللهُ. وقال الكلبيُّ :(ذُو الْفَضْلِ عَلَى عِبَادِهِ وَالْمَانِّ عَلَيْهِمْ)، وقال مجاهدُ :(ذُو السَّعَةِ وَالْغِنَى).
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ﴾ ؛ أي لا معبودَ للخلقِ سواهُ، ﴿إِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ ؛ أي مصيرُ مَن آمَنَ، ومصيرُ مَن لم يؤمِنْ، وعن الحسنِ رضي الله عنه :(أنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّاب رضي الله عنه سَأَلَ عَنْ بَعْضِ إخْوَانِهِ الَّذِينَ كَانُوا بالشَّامِ، فَقَالَ : مَا فَعَلَ أخِي فُلاَنٌ ؟ وَقَالُوا : ذاكَ أخُو الشَّيْطَانِ يُخَالِطُ أهْلَ الأَشْرَفِيَّةِ وخَالَفَ أصْحَابَهُ. فَقَالَ : إذا خَرَجْتُمْ إلَى الشَّامِ فَآذِنُونِي. فَلَمَّا أرَادُوا الْخُرُوجَ أعْلَمُوهُ، فَكَتَب :
مِنْ عَبْدِاللهِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّاب أمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ إلَى فُلاَنِ بْنِ فُلاَنٍ. بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. سَلاَمٌ عَلَيْكَ ؛ فَإنِّي أحْمَدُ إلَيْكَ اللهَ الَّذِي لاَ إلَهَ إلاَّ هُوَ.
أمَّا بَعْدُ : فَإنَّ اللهَ تَعَالَى قَالَ :﴿حـم * تَنزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ * غَافِرِ الذَّنبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ...﴾ إلَى قَوْلِهِ ﴿إِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾. وَالسَّلاَمُ عَلَيْكَ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ.
فَلَمَّا جَاءَهُ الْكِِتَابُ قَالُواْ لَهُ : اقْرَأ كِتَابَكَ أيُّهَا الرَّجُلُ، فَلَمَّا قَرَأ ﴿الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ قَالَ : عَلِيمٌ بمَا أصْنَعُ، ﴿غَافِرِ الذَّنبِ﴾ إن اسْتَغْفَرْتُ غَفَرَ لِي، و ﴿وَقَابِلِ التَّوْبِ﴾ إنْ أنَا تُبْتُ لِيَقْبَلَ تَوْبَتِي، ﴿شَدِيدِ الْعِقَابِ﴾ إنْ لَمْ أفْعَلْ عَاقَبَنِي ﴿ذِي الطَّوْلِ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾. ثُمَّ قَالَ : صَدَقَ اللهُ وَنَصَحَ عُمَرُ رضي الله عنه، فَأَقْبَلَ بطَرِيقَةٍ حَسَنَةٍ إلَى أنْ مَاتَ.
فَلَمَّا بَلَغَ عُمَرَ أمْرُهُ، قَالَ : هَكَذا فَاصْنَعُوا ؛ إذا رَأيْتُمْ أخَاكُمْ نَزَلَ فَشَدِّدُوهُ وَوَفِّقُوهُ، وَادْعُوا اللهَ لَهُ أنْ يَتُوبَ عَلَيْهِ، وَلاَ تَكُونُوا أعْوَاناً لِلشَّيْطَانِ عَلَيْهِ).

تفسير هذه الآية من كتب أخرى