الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — الزمخشري

عن الكتاب
﴿الذين يجادلون﴾ بدل من ﴿مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ﴾
فإن قلت : كيف جاز إبداله منه وهو جمع وذاك موحد ؟ قلت : لأنه لا يريد مسرفاً واحداً، فكأنه قال : كل مسرف.
فإن قلت : فما فاعل ﴿كَبُرَ﴾ ؟ قلت : ضمير من هو مسرف.
فإن قلت : أما قلت هو جمع، ولهذا أبدلت منه الذين يجادلون ؟ قلت : بلى هو جمع في المعنى. وأما اللفظ فموحد، فحمل البدل على معناه، والضمير الراجع إليه على لفظه، وليس ببدع أن يحمل على اللفظ تارة وعلى المعنى أخرى، وله نظائر، ويجوز أن يرفع الذين يجادلون على الابتداء، ولا بدّ في هذا الوجه من حذف مضاف يرجع إليه الضمير في كبر، تقديره : جدال الذين يجادلون كبر مقتاً، ويحتمل أن يكون ﴿الذين يجادلون﴾ مبتدأ ؛ و ﴿بِغَيْرِ سلطان أتاهم﴾ خبراً، وفاعل كبر قوله :﴿وكذلك﴾ أي كبر مقتاً مثل ذلك الجدال، و ﴿يَطْبَعُ الله﴾ كلام مستأنف، ومن قال : كبر مقتاً عند الله جدالهم، فقد حذف الفاعل والفاعل لا يصحّ حذفه. وفي ﴿كَبُرَ مَقْتاً﴾ : ضرب من التعجب والاستعظام لجدالهم، والشهادة على خروجه من حدِّ إشكاله من الكبائر. وقرىء :«سلطان » بضم اللام. وقرىء :«قلب » بالتنوين، ووصف القلب بالتكبر والتجبر، لأنه مركزهما ومنبعهما، كما تقول : رأت العين، وسمعت الأذن. ونحوه قوله عزّ وجل ﴿فإنه آثم قلبه﴾ [البقرة: ٢٨٣] وإن كان الآثم هو الجملة. ويجوز أن يكون على حذف المضاف، أي : على كل ذي قلب متكبر، تجعل الصفة لصاحب القلب.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى