التفسير الوسيط — محمد سيد طنطاوي

عن الكتاب
﴿غَافِرِ الذنب﴾ أى : ساتر لذنوب عباده، ومزيل لأثرها عنهم بفضله ورحمته.
فلفظ ﴿غَافِرِ﴾ من الغفر بمعنى الستر والتغطية، يقال : غفر الله - تعالى - ذنب فلان غَفْراً ومغفرة وغفرانا، إذا غطاه وستره وعفا عنه.
ولفظ الذنب : يطلق على كل قول أو فعل تسوء عاقبته، مأخوذ من ذنب الشئ، أى : نهايته ﴿وَقَابِلِ التوب﴾ والتوب مصدر بمعنى الرجوع عن الذنب والتوبة منه. يقال : تاب فلان عن الذنب توبة وتوبتا إذا رجع عنه.
أى : أنه - سبحانه يغفر ذنوب عباده، ويقبل توبتهم فضلا منه وكرما.
قال صاحب الكشاف : ما بال الواو فى قوله ﴿وَقَابِلِ التوب﴾ ؟
قلت : فيها نكته جليلة، وهى إفادة الجمع للمذنب التائب بين رحمتين : بين أن يقبل توبته فيكتبها له طاعة من الطاعات، وأن يجعلها محاءة للذنوب، كأنه لم يذنب. كأنه قال : جامع المغفرة والقبول..
﴿شَدِيدِ العقاب﴾ أى : لمن أشرك به، وأعرض عن الحق الذى جاء به الرسول ﷺ ﴿ذِي الطول﴾ أى : ذى الفضل والثواب والإِنعام على من يشاء من عباده.
والطَّول : السعة والغنى والزيادة، يقال : لفلان على فلان طول، أى زيادة وفضل، ومنه الطُّول فى الجسم لأنه زيادة فيه. قال - تعالى - :﴿وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلاً...﴾ أى : غنى وسعة.
﴿لاَ إله إِلاَّ هُوَ﴾ أى : لا إله بحق وصدق إلا هو - سبحانه -.
﴿إِلَيْهِ المصير﴾ أى : إليه المرجع والمآب يوم القيامة، ليحاسبكم على أعمالكم فى الدنيا.
قال القرطبى : روى عن عمر بن الخطاب - رضى الله عنه - أنه افتقد رجلا ذا بأس شديد من أهل الشام فلما سأل عنه قيل له : تتابع فى هذا الشراب.
فقال عمر لكاتبه : اكتب من عمر بن الخطاب إلى فلان، سلام عليك، وأنا أحمد الله إليك الذى لا إله هو ﴿بسم الله الرحمن الرَّحِيمِ. حما. تَنزِيلُ الكتاب مِنَ الله العزيز العليم﴾.
إلى قوله - تعالى - :﴿إِلَيْهِ المصير﴾.
ثم ختم الكتاب وقال لرسوله : لا تدفعه إليه حتى تجده صاحيا. ثم أمر من عنده بالدعاء له بالتوبة. فلما وصل الكتاب إلى الرجل جعل يقرؤه ويقول : قد وعدنى الله أن يغفر لى، وحذرنى عقابه، فلم يبرح يرددها حتى بكى، ثم نزع فأحسن النزع وحسنت توبته.
فلما بلغ عمر ذلك قال : هكذا فاصنعوا إذا رأيتم أحدكم قد زل زلته فسددوه وادعوا الله له أن يتوب عليه، ولا تكونوا أعوانا للشيطان عليه.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى