فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني

عن الكتاب
ثم لما ذكر سبحانه الجدال بالباطل ذكر مثالاً للباطل، والحق، وأنهما لا يستويان، فقال :﴿وَمَا يَسْتَوِي الأعمى والبصير﴾ أي : الذي يجادل بالباطل والذي يجادل بالحق ﴿والذين ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات وَلاَ المسىء﴾ أي ولا يستوي المحسن بالإيمان والعمل الصالح، والمسيء بالكفر والمعاصي، وزيادة " لا " في ﴿ولا المسيء﴾ للتأكيد ﴿قَلِيلاً مَّا تَتَذَكَّرُونَ﴾ قرأ الجمهور ﴿يتذكرون﴾ بالتحتية على الغيبة، واختار هذه القراءة أبو عبيد، وأبو حاتم، لأن قبلها، وبعدها على الغيبة لا على الخطاب، وقرأ الكوفيون بالفوقية على الخطاب بطريقة الالتفات، أي تذكراً قليلاً ما تتذكرون.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وقد أخرج عبد بن حميد، وابن أبي حاتم. قال السيوطي : بسند صحيح عن أبي العالية قال : إن اليهود أتوا النبي ﷺ، فقالوا : إن الدجال يكون منا في آخر الزمان، ويكون في أمره، فعظموا أمره، وقالوا : نصنع كذا، ونصنع كذا، فأنزل الله :﴿إِنَّ الذين يجادلون في ءايات الله بِغَيْرِ سلطان أتاهم إِن في صُدُورِهِمْ إِلاَّ كِبْرٌ مَّا هُم ببالغيه﴾» قال : لا يبلغ الذي يقول :﴿فاستعذ بالله﴾ فأمر نبيه أن يتعوّذ من فتنة الدجال لخلق السماوات، والأرض أكبر من خلق الدجال. وأخرج ابن أبي حاتم عن كعب الأحبار في الآية قال : هم اليهود نزلت فيهم فيما ينتظرونه من أمر الدجال. وأخرج عبد بن حميد، وابن المنذر عن مجاهد في قوله :﴿إِن في صُدُورِهِمْ إِلاَّ كِبْرٌ﴾ قال : عظمة قريش.
وأخرج سعيد بن منصور، وابن أبي شيبة، وأحمد، وعبد بن حميد، والبخاري في الأدب المفرد، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والطبراني، وابن حبان، والحاكم وصححه، وابن مردويه، وأبو نعيم في الحلية، والبيهقي في الشعب عن النعمان بن بشير قال : قال رسول الله ﷺ :«الدعاء هو العبادة ثم قرأ ﴿وَقَالَ رَبُّكُمْ ادعوني أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الذين يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي﴾ قال : عن دعائي ﴿سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ داخرين﴾». قال الترمذي : حسن صحيح. وأخرج ابن مردويه، والخطيب عن البراء : أن رسول الله ﷺ قال :«إن الدعاء هو العبادة، وقال ربكم :﴿ادعوني أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾» وأخرج ابن جرير، وابن مردويه، وأبو الشيخ في العظمة عن ابن عباس في قوله :﴿ادعوني أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ قال : وحدوني أغفر لكم. وأخرج الحاكم وصححه، عن جرير بن عبد الله في الآية قال : اعبدوني. وأخرج ابن مردويه عن عائشة قالت : قال رسول الله ﷺ :«الدعاء الاستغفار» وأخرح ابن أبي شيبة، والحاكم، وأحمد عن أبي هريرة قال : قال رسول الله ﷺ :«من لم يدع الله يغضب عليه» وأخرج أحمد، والحكيم الترمذي، وأبو يعلى، والطبراني، عن معاذ بن جبل، عن النبي ﷺ قال :«لا ينفع حذر من قدر، ولكن الدعاء ينفع مما نزل، ومما لم ينزل، فعليكم بالدعاء» وأخرج الترمذي، والحكيم الترمذي في نوادر الأصول عن أنس بن مالك قال : قال رسول الله ﷺ :«الدعاء مخّ العبادة» وأخرج ابن المنذر، والحاكم وصححه عن ابن عباس قال : أفضل العبادة الدعاء، وقرأ :﴿وَقَالَ رَبُّكُمْ ادعوني أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ الآية. وأخرج البخاري في الأدب عن عائشة قالت : سئل النبي ﷺ : أيّ العبادة أفضل ؟ فقال :«دعاء المرء لنفسه» وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، والحاكم وصححه، وابن مردويه، والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن عباس قال : من قال : لا إله إلاّ الله، فليقل على أثرها : الحمد لله ربّ العالمين، وذلك قوله :﴿فادعوه مخلصين له الدين الحمد لله ربّ العالمين﴾.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى