مفاتيح الغيب — فخر الدين الرازي
عن الكتاب
ولما بين الله تعالى أن الجدال المقرون بالكبر والحسد والجهل كيف يكون، وأن الجدال المقرون بالحجة والبرهان كيف يكون، نبه تعالى على الفرق بين البابين بذكر المثال فقال :﴿وما يستوي الأعمى والبصير﴾ يعني وما يستوي المستدل والجاهل المقلد، ثم قال :﴿والذين ءامنوا وعملوا الصالحات ولا المسيء﴾ فالمراد بالأول التفاوت بين العالم والجاهل، والمراد بالثاني التفاوت بين الآتي بالأعمال الصالحة وبين الآتي بالأعمال الفاسدة الباطلة، ثم قال :﴿قليلا ما تتذكرون﴾ يعني أنهم وإن كانوا يعلمون أن العلم خير من الجهل، وأن العمل الصالح خير من العمل الفاسد، إلا أنه قليلا ما تتذكرون في النوع المعين من الاعتقاد أنه علم أو جهل، والنوع المعين من العمل أنه عمل صالح أو فاسد، فإن الحسد يعمي قلوبهم، فيعتقدون في الجهل والتقليد أنه محض المعرفة، وفي الحسد والحقد والكبر أنه محض الطاعة، فهذا هو المراد من قوله ﴿قليلا ما تتذكرون﴾ قرأ عاصم وحمزة والكسائي ﴿تتذكرون﴾ بالتاء على الخطاب، أي قل لهم قليلا ما تتذكرون، والباقون بالياء على الغيبة.