جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري

عن الكتاب
وقوله : ألَمْ تَرَ إلى الّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِ اللّهِ أنّى يُصْرَفُونَ يقول لنبيه محمد ﷺ : ألم تر يا محمد هؤلاء المشركين من قومك، الذين يخاصمونك في حجج الله وآياته أنّى يُصْرَفُونَ يقول : أيّ وجه يصرفون عن الحق، ويعدلون عن الرشد، كما :
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة أنّى يُصْرَفُونَ : أنى يكذبون ويعدلون.
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد، في قوله : أنّى يُصْرَفُونَ قال : يُصْرَفُونَ عن الحقّ.
واختلف أهل التأويل في الذين عنوا بهذه الآية، فقال بعضهم : عنى بها أهل القدر. ذكر من قال ذلك :
حدثنا محمد بن بشار ومحمد بن المثنى، قالا : حدثنا مؤمل، قال : حدثنا سفيان، عن داود بن أبي هند، عن محمد بن سيرين، قال : إن لم تكن هذه الاَية نزلت في القدرية، فإني لا أدري فيمن نزلت : ألَمْ تَرَ إلَى الّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِ اللّهِ أنى يُصْرَفُونَ إلى قوله : لَمْ نَكُنْ نَدْعُوا مِنْ قَبْلُ شَيْئا كذَلكَ يُضِلّ اللّهُ الكافِرِينَ.
حدثني عليّ بن سهل، قال : حدثنا زيد بن أبي الزرقاء، عن سفيان، عن داود بن أبي هند، عن ابن سيرين، قال : إن لم يكن أهل القدر الذين يخوضون في آيات الله فلا علم لنا به.
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : أخبرني مالك بن أبي الخير الزيادي، عن أبي قبيل، قال : أخبرني عقبة بن عامر الجهني، أن رسول الله ﷺ قال :«سَيَهْلِكُ مِنْ أُمّتِي أهْلُ الكِتابِ، وأهْلُ اللّينِ » فقال عقبة : يا رسول الله، وما أهل الكتاب ؟ قال :«قَوْمٌ يَتَعَلّمُونَ كِتابَ اللّهِ يُجادِلُونَ الّذِينَ آمَنُوا »، فقال عقبة : يا رسول الله، وما أهل اللّين ؟ قال :«قَوْمٌ يَتّبِعُونَ الشّهَوَاتِ، ويُضَيّعُونَ الصّلَوَاتِ ». قال أبو قبيل : لا أحسب المكذّبين بالقدر إلا الذين يجادلون الذين آمنوا، وأما أهل اللّين، فلا أحسبهم إلا أهل العمود ليس عليهم إمام جماعة، ولا يعرفون شهر رمضان.
وقال آخرون : بل عنى به أهل الشرك. ذكر من قال ذلك :
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد، في قوله : ألَمْ تَرَ إلَى الّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِ اللّهِ أنى يُصْرَفُونَ قال : هؤلاء المشركون.
والصواب من القول في ذلك ما قاله ابن زيد وقد بين الله حقيقة ذلك بقوله : الّذِينَ كَذّبُوا بالْكِتَابِ وبِمَا أرْسَلْنا بِهِ رُسُلَنا.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى