أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن — الشنقيطي - أضواء البيان

عن الكتاب
قوله تعالى :﴿قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ الآية.
ذكر الله جل وعلا في هذه الكريمة أنه أمر نبيه نوحاً عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام : أن يحمل في سفينته من كل زوجين اثنين. وبين في سورة ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ أنه أمره أن يسلكهم أي يدخلهم فيها.
فدل ذلك على أن فيها بيوتاً يدخل فيها الراكبون ؛ وذلك في قوله ﴿فَإِذَا جَآءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ فَاسْلُكْ فِيهَا مِن كُلِّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ [المؤمنون: ٢٧] ومعنى «اسْلُك » أدخل فيها من كل زوجين اثنين ؛ تقول العرب : سلكت الشيء في الشيء : أدخلته فيه. وفيه لغة أخرى وهي : أسلكته فيه، رباعياً بوزن أفعل، والثلاثية لغة القرآن. كقوله :﴿فَاسْلُكْ فِيهَا مِن كُلِّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ [المؤمنون: ٢٧] الآية. وقوله ﴿اسْلُكْ يَدَكَ في جَيْبِكَ﴾ [القصص: ٣٢] الآية. وقوله ﴿كَذَلِكَ سَلَكْنَاهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ﴾ [الشعراء: ٢٠٠] الآية. وقوله ﴿كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ في قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ﴾ [الحجر: ١٢] وقوله ﴿مَا سَلَكَكُمْ في سَقَرَ﴾ [المدثر: ٤٢] الآية ؛ ومنه قول الشاعر :
وكنت لزاز خصمك لم أعردوقد سلكوك في يوم عصيب
ومن الرباعية قول عبد مناف بن ربع الهذلي :
حتى إذا أسلكوهم في قتائدةشلا كما تطرد الجمالة الشردا
قال مقيده عفا الله عنه : الذي يظهر إلى أن أصل السلك الذي هو الخيط فعل بمعنى مفعول كذبح بمعنى مذبوح، وقتل بمعنى مقتول ؛ لأن الخيط يسلك أي يدخل في الخرز لينظمه ؛ كما قال العباس بن مرداس السلمي :
عين تأوبها من شجوها أرقفالماء يغمرها طورا وينحدر
كأنه نظم در عند ناظمةتقطع السلك منه فهو منتثر
والله تعالى أعلم.
قوله تعالى :﴿وَأَهْلَكَ إِلاَّ مَن سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ﴾ [ ٤٠ ] الآية.
ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة : أنه أمر نوحاً أن يحمل في السفينة أهله إلا من سبق عليه القول، أي سبق عليه من الله القول بأنه شقى، وأنه هالك مع الكافرين.
ولم يبين هنا من سبق عليه القول منهم، ولكنه بين بعد هذا أن الذي سبق عليه القول من أهله هو ابنه وامرأته.
قال في ابنه الذي سبق عليه القول :﴿وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ وَكَانَ في مَعْزِلٍ يا بُنَىَّ ارْكَبَ مَّعَنَا وَلاَ تَكُن مَّعَ الْكَافِرِينَ﴾ [هود: ٤٢] إلى قوله ﴿وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ﴾ [هود: ٤٣] وقال فيه أيضاً :﴿قَالَ يا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ﴾ [هود: ٤٦] الآية وقال في امرأته :﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ امْرَأَتَ نُوحٍ﴾ [التحريم: ١٠] إلى قوله ﴿الدَاخِلِينَ﴾ [التحريم: ٢٧].

تفسير هذه الآية من كتب أخرى