غرائب القرآن ورغائب الفرقان — نظام الدين القمي النيسابوري

عن الكتاب
سورة إبراهيم عليه السلام مكية غير آيتين نزلتا في بدر ﴿ألم تر إلى الذين بدلوا﴾ الآيتان حروفها ثلاثة آلاف وأربعمائة وأربعة وثلاثون كلها ثمانمائة وخمسة وخمسون آياتها اثنتان وخمسون.
﴿وما ذلك على الله بعزيز﴾ بمتعذر لأنه قادر الذات لا اختصاص له بمقدور. فإن قيل : الغرض من الآية إظهار القدرة وزجر المكلفين عن المعصية وذلك إنما يتم بقوله :﴿إن يشأ يذهبكم﴾ فما فائدة قوله :﴿ويأت بخلق جديد﴾ وهل فيه دليل على أن الفياض لا يوجد بدون الفيض ؟ قلنا : على تقدير تسليمه لا تنحصر الفائدة فيه بل لعل الفائدة هي تأكيد التخويف فإن التألم من تصور العدم المجرد ليس كالتألم من تصور عدمه مع إقامة غيره مقامه، على أن الإذهاب لا يلزم منه الإعدام فيكون شبيهاً بعزل شخص ونصب غيره مقامه. وللحكيم أن يستدل بقوله :﴿يذهبكم﴾ على أن مادة الجوهر لا تعدم وإنما تنعدم الصور والأعراض. والجواب أن الإذهاب ههنا بمعنى الإعدام، ولو سلم فلا يلزم من عدم وقوع الإعدام ههنا امتناعه في جميع الصور. وفيه أنه الحقيق بأن يخشى عقابه ويرجى ثوابه فلذلك أتبعه أحوال الآخرة فقال :﴿وبرزوا﴾.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:التأويل :﴿وبرزوا﴾ من القشور الفانية ﴿لله جميعاً﴾ من القويّ والضعيف ﴿فقال الضعفاء﴾ وهم المقلدة ﴿للذين استكبروا﴾ من المبتدعين ﴿إني كفرت بما أشكرتموني﴾ آمن اللعين حين لا ينفع نفساً إيمانها ﴿وأدخل﴾ فيه إشارة إلى أن الإنسان إذا خلى وطباعه لا يدخل الجنة لأنه خلق ظلوماً جهولاً سفلي الطبع، وإنما يدخله الله بفضله وعنايته ﴿جنات﴾ القلوب ﴿تجري من تحتها﴾ أنهار الحكمة ﴿خالدين فيها بإذن ربهم﴾ أي بعنايته وإلا لم يبق فيها ساعة كما لم يبق آدم. تحية أهل القلوب على أهل القلوب لسلامة قلوبهم، وتحيتهم على أهل النفوس لمرض قلوبهم ليسلموا من شر نفوسهم
﴿وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاماً﴾
[الفرقان: ٦٣] ﴿ألم تر﴾ أي ألم تشاهد بنور النبوّة ﴿كيف ضرب الله مثلاً﴾ للاستعداد الإنساني القابل للفيض الإلهي دون سائر مخلوقاته ﴿كلمة طيبة﴾ هي كلمة التوحيد ﴿كشجرة طيبة﴾ عن لوث الحدوث مثمر إثمار شواهد أنوار القدم ﴿أصلها ثابت﴾ في الحضرة الإلهية فإنها صفة قائمة بذاتها ﴿وفرعها﴾ في سماء القلوب ﴿تؤتي أكلها﴾ من أنوار المشاهدات والمكاشفات ﴿كل حين﴾ يتقرب العبد إلى ربه يتقرب الرب تعالى إليه ﴿ويضرب الله الأمثال للناس﴾ لمن نسي العهد الأوّل ﴿لعلهم يتذكرون﴾ الحالة الأولى فيسعون في إدراكها ﴿ومثل كلمة﴾ تتولد من خباثة النفس ﴿اجتثت من فوق﴾ أرض البشرية ﴿ما لها من قرار﴾ لأنها من الأعمال الفانيات لا من الباقيات الصالحات. ﴿يثبت الله الذين آمنوا﴾ يمكنهم في مقام الإيمان بملازمة كلمة لا إله إلا الله والسير في حقائقها ﴿في الحياة الدنيا وفي الآخرة﴾ لأن سير أصحاب الأعمال ينقطع بالموت وسير أرباب الأحوال لا ينقطع أبداً. ﴿وأحلوا قومهم﴾ أرواحهم وقلوبهم ونفوسهم وأبدانهم، أنزلوا أبدانهم جهنم البعد ونفوسهم الدركات وقلوبهم العمى والصمم والجهل، وأرواحهم العلوية أسفل سافلين الطبيعة فبدلوا نعم الأخلاق الحميدة كفراً لأوصاف الذميمة ﴿الله الذي خلق﴾ سموات القلوب وأرض النفوس ﴿وأنزل من﴾ سماء القلوب ﴿ماء﴾ الحكمة ﴿فأخرج به﴾ ثمرات الطاعات ﴿رزقاً﴾ لأرواحكم ﴿وسخر لكم﴾ فلك الشريعة ﴿لتجري في﴾ بحر الطريقة بأمر الحق لا بالهوى والطبع. وكم لأرباب الطلب من سفن انكسرت بنكباء الهوى ﴿وسخر لكم﴾ أنهار العلوم الدينية وشمس الكشوف وقمر المشاهدات وليل البشرية ونهار الروحانية. ومعنى التسخير في الكل جعلها أسباباً لاستكمال النفس الإنسانية ﴿وآتاكم من كل ما سألتموه﴾ من سائر الأسباب المعينة على ذلك، فجميع العالم بالحقيقة تبع لوجود الإنسان وسبب لكماليته وهو ثمرة شجرة المكونات فلذلك قال :﴿وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها﴾ لأن مخلوقاته غير منحصرة وكلها مخلوق لاستكماله ﴿إن الإنسان لظلوم﴾ بإفساد استعداده ﴿كفار﴾ لا يعرف قدر نعمة الله في حقه والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى