تفسير القرآن العظيم — ابن كثير

عن الكتاب
وقوله :﴿وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ﴾ يقول : هيأ لكم كل ما تحتاجون إليه في جميع أحوالكم مما تسألونه بحالكم(١) وقالكم.
وقال بعض السلف : من كل ما سألتموه وما لم تسألوه.
وقرأ بعضهم :" وأتاكم من كل ما سألتموه ".
وقوله :﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا﴾ يخبر عن عجز العباد عن تعداد النعم فضلا عن القيام بشكرها، كما قال طلق بن حبيب، رحمه الله : إن حق الله أثقل من أن يقوم به العباد، وإن نعم الله أكثر(٢) من أن يحصيها(٣) العباد، ولكن أصبحوا توابين وامسُوا توابين.
وفي صحيح البخاري : أن رسول الله ﷺ كان يقول :" اللهم، لك الحمد غير مَكْفِيّ ولا مودَع، ولا مستغنى عنه ربَّنا " (٤).
وقال الحافظ أبو بكر البزار في مسنده : حدثنا إسماعيل بن أبي الحارث، حدثنا داود بن المُحبّر، حدثنا صالح المرْيّ عن جعفر بن زيد العَبْدِي، عن أنس، عن النبي ﷺ أنه قال :" يخرج لابن آدم يوم القيامة ثلاثة(٥) دواوين، ديوان، فيه العمل الصالح، وديوان فيه ذنوبه، وديوان فيه النعم من الله تعالى عليه، فيقول الله لأصغر(٦) نعمه - أحسبَه. قال : في ديوان النعم : خذي ثمنك من عمله الصالح، فتستوعب عمله الصالح كله، ثم تَنَحّى وتقول : وعزتك ما استوفيت. وتبقى الذنوب والنعم(٧) فإذا أراد الله أن يرحم قال : يا عبدي، قد ضاعفتُ لك حسناتك وتجاوزت عن سيئاتك - أحسبه قال : ووهبت لك نعمي " (٨) غريب، وسنده ضعيف.
وقد روي في الأثر : أن داود، عليه السلام، قال : يارب، كيف أشكرك وشكري لك نعمة منك علي ؟ فقال الله تعالى : الآن شكرتني يا داود، أي : حين اعترفت بالتقصير عن أداء شكر النعم.
وقال الشافعي، رحمه الله : الحمد لله الذي لا يؤدى شكر نعمة من نعمه، إلا بنعمة(٩) تُوجِب على مُؤدى ماضي نعَمه بأدائها، نعمة حادثةَ توجب عليه شكره بها(١٠).
وقال القائل في ذلك :
لو كل جَارِحَة مني لهَا لُغَةٌتُثْنيِ عَلَيكَ بما أولَيتَ مِنْ حَسنِ
لَكَانَ ما زَادَ شُكري إذ شَكَرت بهإليكَ أبلغَ في الإحسَان والمننِ
١ - في ت، أ :"لحالكم"..
٢ - في أ :"أكبر"..
٣ - في ت، أ :"تحصيها"..
٤ - صحيح البخاري برقم (٥٤٥٨) من حديث أبي أمامة رضي الله عنه..
٥ - في أ :"ثلاث" وهو خطأ..
٦ - في ت، أ :"لأصغرهم"..
٧ - في ت، أ :"والنعم والعمل الصالح فيستوعب عمله الصالح كله"..
٨ - مسند البزار برقم (٣٤٤٤) "كشف الأستار" وفيه داود بن المحبر وصالح المري وهما ضعفيان..
٩ - في هـ، ت، أ :"بنعمة حادثة" والمثبت من الرسالة..
١٠ - الرسالة للشافعي (ص ٧، ٨)..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى