تفسير القرآن الكريم — عبد الله محمود شحاتة

عن الكتاب
﴿رب اجعلني مقيم الصلاة ومن ذريتي...﴾.
نلمح هنا عبادة إبراهيم الرحمان، وتقربه من ربه بالدعاء، والحب، والذكر، والتبتيل، ﴿إن إبراهيم لأوّاه حليم﴾ ( التوبة : ١١٤ )، فهو دائم الرجوع إلى الله والتضرع إليه مع الحلم والأناة، وفي هذه الآية يدعو ربه قائلا :
﴿رب اجعلني مقيم الصلاة﴾. وفقني لأداء الصلاة في أوقاتها، والمحافظة على خشوعها و خضوعها وإقامة أركانها ؛ فهي وسيلة المناداة والمناجاة، وسبيل الإيمان وذكر الرحمان، وهي تغسل النفس من الداخل بالتوبة والذكر والطهارة، ولذلك كانت وسيلة إلى البعد عن الفحشاء والمنكر ؛ لأن من عرف ربه وناجاه في صلاته ؛ سكب الله في قلبه التقوى، ورزقه الاستقامة على المأمورات واجتناب المنهيات.
وقد كان إبراهيم أمة في رجل ؛ فهو أبو الأنبياء، وقد امتدت دعوته إلى الصالحين من ذريته، فقال :
﴿ومن ذريتي﴾. أي : واجعل من ذريتي من يقيم الصلاة، وقد وصف الله عباد الرحمان بقوله :﴿والذين يقولون ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين واجعلنا للمتقين إماما﴾( الفرقان : ٧٤ ).
وقد خص إبراهيم بعض ذريته بالدعاء، فقال :﴿ومن ذريتي﴾. أي : وبعض ذريتي ؛ لأنه علم من استقرائه عادة الله في الأمم السابقة، أن يكون في ذريته من لا يقيم الصلاة.
انظر إلى قوله تعالى :﴿ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمة مسلمة لك﴾. ( البقرة : ١٢٨ ).
إن عدالة الله تأبى أن تحابي نبيا أو رسولا، وإنما يكافئ المحسن أيا كان موقعه أو نسبه، ويعاقب المسيء مهما كانت قرابته أو نسبته، ﴿ولا يظلم ربك أحدا﴾. ( الكهف : ٤٩ ).
﴿ربنا وتقبل دعاء﴾. أي : يا رب تقبل دعائي، وأجب دعائي وتبتلي، أو تقبل عبادتي، أو هما معا، تقبل دعائي حين أدعوك، وعبادتي حين أعبدك، وارزقني الإخلاص والقبول والتوفيق.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى