البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي

عن الكتاب
ولما نهى لقمان ابنه عن الشرك، نبهه على قدرة الله، وأنه لا يمكن أن يتأخر عن مقدوره شيء فقال :﴿يا بني إنها إن تك﴾، والظاهر أن الضمير في إنها ضمير القصة.
وقرأ نافع : مثقال، بالرفع على ﴿إن تك﴾ تامة، وهي قراءة الأعرج وأبي جعفر، وأخبر عن مثقال، وهو مذكر، إخبار المؤنث، لأضافته إلى مؤنث، وكأنه قال : إن تك زنة حبة ؛ وباقي السبعة : بالنصب على ﴿إن تك﴾ ناقصة، واسمها ضمير يفهم من سياق الكلام تقديره : هي، أي التي سألت عنها.
وكان فيما روي قد سأل لقمان ابنه : أرأيت الحبة تقع في مغاص البحر ؟ أيعلمها الله ؟ فيكون الضمير ضمير جوهر لا ضمير عرض، ويؤيده قوله :﴿إن تك مثقال حبة﴾.
وقرأ عبد الكريم الجزري : فتكن، بكسر الكاف وشد النون وفتحها ؛ وقراءة محمد بن أبي فجة البعلبكي : فتكن، بضم التاء وفتح الكاف والنون مشددة.
وقرأ قتادة : فتكن، بفتح التاء وكسر الكاف وسكون النون، من وكن يكن، ورويت هذه القراءة عن عبد الكريم الجزري أيضاً : أي تستقر، ويجوز أن يكون الضمير ضمير عرض، أي تلك الفعلة من الطاعة أو المعصية.
وعلى من قرأ بنصب مثقال، يجوز أن يكون الضمير في أنها ضمير الفعلة، لا ضمير القصة.
قال الزمخشري : فمن نصب يعني مثقال، كان الضمير للهيئة من الإساءة والإحسان، أي كانت مثلاً في الصغر والقماءة، كحبة الخردل، فكانت مع صغرها في أخفى موضع وأحرزه، كجوف الصخرة، أو حيث كانت من العالم العلوي أو السفلي.
﴿يأت بها الله﴾، يوم القيامة، فيحاسب عليها.
﴿إن الله لطيف﴾، يتوصل علمه إلى كل خفي.
﴿خبير﴾ : عالم بكنهه.
وعن قتادة : لطيف باستخراجها، خبير بمستقرها.
وبدأ له بما يتعلق به أولاً، وهو كينونة الشيء.
﴿في صخرة﴾ : وهو ما صلب من الحجر وعسر إخراجه منها، ثم أتبعه بالعالم العلوي، وهو أغرب للسامع، ثم أتبعه بما يكون مقر الأشياء للشاهد، وهو الأرض.
وعن ابن عباس والسدي، أن هذه الصخرة هي التي عليها الأرض.
قال ابن عباس : هي تحت الأرضين السبع، يكتب فيها أعمال الفجار.
قال ابن عطية : قيل : أراد الصخرة التي عليها الأرض والحوت والماء، وهي على ظهر ملك.
وقيل : هي صخرة في الريح، وهذا كله ضعيف لا يثبت سنده، وإنما معنى الكلام : المبالغة والانتهاء في التفهم، أي إن قدرته تنال ما يكون في تضاعيف صخرة، وما يكون في السماء والأرض. انتهى.
قيل : وخفاء الشيء يعرف بصغره عادة، ويبعده عن الرائي.
وبكونه في ظلمة وباحتجابه، ففي صخرة إشارة إلى الحجاب، وفي السموات إشارة إلى البعد، وفي الأرض إشارة إلى الظلمة، فإن جوف الأرض أظلم الأماكن.
وفي قوله :﴿يأت بها الله﴾ دلالة على العلم والقدرة، كأنه قال : يحيط بها علمه وقدرته.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى