التفسير المظهري — محمد ثناء الله المظهري

عن الكتاب
سورة لقمان
مكّية وهى اربع «١» وثلاثون اية ربّ يسّر وتمّم بالخير بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
الم تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْحَكِيمِ ذى حكمة او وصف الكتاب بصفة الله عز وجلّ على الاسناد المجازى والاضافة بمعنى من.
هُدىً وَرَحْمَةً قرأ حمزة بالرفع على انه خبر بعد خبر لتلك او خبر لمحذوف اى هى هدى ورحمة والحمل على المبالغة كزيد عدل او بحذف المضاف اى ذات هدى والباقون بالنصب على الحال من الآيات والعامل فيه معنى الاشارة لِلْمُحْسِنِينَ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ بيان لاحسانهم او تخصيص بهذه الثلاثة من شعبه لفضل اعتداد بها وتكرير الضمير للتؤكيد ولما جعل بينه وبين خبره.
أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ فائزون مقاصدهم لاستجماعهم العقيدة والعمل الصالح.
اخرج جويبر عن ابن عباس قال اشترى النضر بن الحارث قينة فكان لا يسمع بأحد يريد الإسلام الا انطلق به الى قينة فيقول أطعميه واسقيه وغنيه هذا خير مما يدعوك اليه محمد من الصلاة والصيام وان تقاتل بين يديه فنزلت.
وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ اى ما تلهى وتشتغل عما يفيد من الأحاديث التي لا اصل لها والأساطير التي لا اعتبار فيها والمضاحيك وفضول الكلام- والاضافة بيانية بمعنى من ان أراد بالحديث المنكر او تبعيضية ايضا بمعنى من ان أراد به الأعم منه. واخرج ابن جرير من طريق العوفى عن ابن عباس انها نزلت فى رجل من قريش اشترى
(١) وفى الأصل تسع وثلاثون صدر هذا من سبق قلم لا شك فيه. لان آياتها ثلاث وثلاثون عند اهل الحجاز واربع وثلاثون للباقى- ابو محمّد عفا الله عنه
جارية مغنية وروى البغوي عن ابى سلمة قال قال رسول الله ﷺ لا يحل تعليم المغنيات وأثمانهن حرام وفى مثل هذا نزلت وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ الاية وما من رجل يرفع صوته بالغناء الا بعث الله شيطانين أحدهما على هذا المنكب والآخر على هذا المنكب ولا يزالان يضربان بارجلهما حتى يكون هو الذي يسكت- اخرج الترمذي وغيره عن ابى امامة عن رسول الله ﷺ قال لا تبيعوا القينات ولا تشتروهن ولا تعلموهن ولا خير فى تجارة فيهن وثمنهن حرام وفى مثل هذا أنزلت وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ- وقال البغوي قال مقاتل والكلبي نزلت فى النضر بن الحارث بن كلدة كان يتّجر فيأتى الحيرة ويشترى بها اخبار الأعاجم ويحدث بها قريشا ويقول ان محمدا يحدنكم بحديث عاد وثمود وانا أحدثكم بحديث رستم وإسفنديار واخبار الاكاسرة فيستملحون حديثه ويتركون استماع القران فانزل الله هذه الاية- وكذا اخرج البيهقي فى شعب الايمان عن ابن عباس رض وقال مجاهد يعنى القينات والمغنين ومعنى الاية على هذا مَنْ يَشْتَرِي ذات لهو او ذا لهو الحديث او المعنى من يشتري لهو الحديث اى يستبدل ويختار الغناء والمزامير والمعازف على القران- قال مكحول من اشترى جارية ضرابة لتمسكها لعنائها وضربها مقيما عليه حتى يموت لم أصلّ عليه لان الله تعالى قال وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ الاية- وعن ابن مسعود رض وابن عباس والحسن وعكرمة وسعيد بن جبير قالوا لهو الحديث الغناء والاية نزلت فيه وقال ابو الصهباء البكري سالت ابن مسعود عن هذه الاية قال هو الغناء والله الذي لا اله الا هو يردّدها ثلاث مرات- وقال ابن جريج هو الطبل قلت مورد النص وان كان خاصّا وهو الغناء او قصص الأعاجم لكن اللفظ عام والعبرة لعموم اللفظ لا لخصوص السبب ومن اقال قتادة هو كل لهو ولعب وقال الضحاك هو الشرك.
(مسئلة) :- اتخاذ المعازف والمزامير حرام باتفاق فقهاء «١» الأمصار عن ابى
(١) فى المتفق ضرب المزامير واستماعها حرام وفى الفتاوى الكبرى يحرم ضرب الطبل واستماعه لانه من الملاهي الا طبول الحراب والقافلة لان فيها اعلاما للغزاة والرفقاء وانه طاعة وفى الملتقط ومن الناس من يقول لا بأس بالغناء فى الأعراس والوليمة الا ترى انه لا يأس بضرب الدف فى الأعراس والوليمة وان كان فى ذلك نوع لهو وانما لم يكن به بأس لانه فيه اظهار النكاح واعلانيه وبه امر صاحب الشرع حيث قال أعلنوا النكاح ولو بالدّف وكذلك الفتوى- وفى الذخيرة ومنهم من قال لا بأس بالدّفّ فى الأعياد روى ان رسول الله ﷺ كان جالسا فى بيته يوم العيد وفى دهليزه جاريتان تغنيان بالدّف فجاء ابو بكر وقال لهما أتغنّيان فى دهليز رسول الله ﷺ فقال عليه السّلام دعهما فان هذا اليوم يوم عيد ١٢ قدس سره-
هريرة ان النبي ﷺ نهى عن ثمن الكلب وكسب الزمارة- رواه البغوي وعن ابى مالك الأشعري انه سمع رسول الله ﷺ يقول يشربون الناس من أمتي الخمر يسمونها بغير اسمها ويضرب على رؤسهم المعازف والقينات يخسف الله بهم الأرض ويجعل منهم القردة والخنازير رواه ابن ماجة وصححه ابن حبان وأصله فى صحيح البخاري وعن على بن ابى طالب قال قال رسول الله ﷺ إذ فعلت أمتي خمس عشرة خصلة حل بها البلاء قيل وما هى يا رسول الله قال إذا كان المغنم دولا والامانة مغنما والزكوة مغرما وأطاع الرجل زوجته وعقّ امه وبر صديقه وجفا أباه وارتفعت الأصوات فى المساجد وكان زعيم القوم أرذلهم وأكرم الرجل مخافة شرة وشربت الخمر ولبست الحرير واتخذت القينات والمعازف ولعن اخر هذه الامة أولها فليرتقبوا عند ذلك ريحا حمراء وخسفا ومسخا- رواه الترمذي وقال غريب- (مسئله) :- قالت الفقهاء الغناء حرام بهذه الاية لكونه لهو الحديث وبما ذكرنا من الأحاديث. وقالت الصوفية كان من الرجال ذى قلب مطمئن بذكر الله فارغا عن غيره لا يلتفت الى ما سوى الله ولا يكون المغنى محلّا للشهوة وكان المجلس خاليا عن الأغيار ولا يكون وقت صلوة او نحوها جاز له السماع بل يستحب لان فى السماع خاصية انه يستعمل به نار المحبة الجامدة المستورة فى القلب وذلك هو السبب لحرمته فى حق العامة فان العوام قلوبهم مشغولة بحب النساء او الغلمان فعند السماع يشتعل ذلك المحبّة ويشغلهم عن ذكر الله فكان فى حقهم لهو الحديث ومن كان قلبه مشغولا بمحبة الله وذكره فارغا عن غيره يكون السماع فى حقه موجبا لاشتغال
محبة الله فيكون فى حقه مستحبا «١» - والجواب عن النصوص ان الاية ناطقة بالحرمة لما هو لهو الحديث وسماع الصوفية ليس منه والأحاديث الموجبة لحرمة الغناء مخصوصه بالبعض لورود أحاديث اخر دالة على الإباحة فحملنا أحاديث حرمة الغناء على ما كان منه على قصد اللهو لا لغرض مشروع داعيا الى الفسوق- فلنذكر الأحاديث الدالة على اباحة الغناء بل على اباحة ضرب الدف ايضا منها حديث الربيع بنت معوذ بن عفراء قالت جاء النبي ﷺ فدخل حين بنى علىّ فجلس على فراشى كمجلسك منى فجعلت جويريات لنا يضر بن بالدف ويندبن من قتل من ابائى يوم بدر إذ قالت إحداهن.
وفينا نبى يعلم ما فى غد فقال دعى هذه وقولى ما كنت تقولين رواه البخاري وروى ابن ماجة نحوه وفيه اما هذا فلا تقولوه لا يعلم ما فى غد الا الله- وعن عائشة قالت زفت امرأة الى رجل من الأنصار فقال نبى الله ﷺ ما كان معكم لهو فان
(١) فى شرح الكافي واعلم ان المكروه من السماع عند علمائنا ما يكون على سبيل اللهو وارادة العصيان بان يجتمع الفساق على ذلك ويتركون الصلاة وقراءة القران- واما ما كان من اهل الصلاة واهل القران من جملة الصالحين فسماع هؤلاء حلال بلا خلاف بين علمائنا إذ لا يريدون بذلك الا وجه الله وحضوره ويذكرون الله فى خوف الاخرة وكل ذلك محمود غير مذموم والتواجد والرقص ايضا غير مذموم لهذا المعنى- وفى شرح البزدوى المسمى بالنوري صنفه ابو القاسم بن محمد بن عبد الله الدمشقي- اعلم ان السماع انما يختلف علماءنا فى حقه فهو ما كان على سبيل اللهو واللعب يجتمع الفساق وشاربوا الخمر وتركوا الصلاة- فاما من سمع السماع وهو صالح دائم الصلاة لا تارك الورد وقراءة القران فهو حلال بلا خلاف بين علمائنا وكذلك الرقص والتواجد وفى الاقناع ان السماع يحصل به رقة القلب والخشوع واثارة الشوق الى لقاء الله تعالى والخوف من سخطه وعذابه والمفضى الى ذلك قربة فاذا كان السماع هكذا فكيف يكون فيه شائبة اللهو والهواء وقال الشيخ شهاب الدين السهروردي فى العوارف والسماء يستجلب الرحمة من الله الكريم والله اعلم- وفى فتاوى الخلاصة يجب ان يعلم ان التغنّى لا يناس الغير مكروه عند عامة المشايخ ومنهم من جوز ذلك فى العرس والوليمة واما التغنّى لدفع الوحشة عن نفسه لا يكره عند البعض وبه أخذ الامام السرخسي والمكروه عندهم ما يكون على سبيل اللهو ومنهم من يقول جميع ذلك مكروه وبه أخذ الامام خواهر زاده وفى الجامع المضمرات قال ذكر فى النافع والذخيرة ان المتغني إذا لم يسمع غيره ولكن يسمع نفسه لازالة الوحشة فلا بأس به وقال سمعت الشيخ الامام الاجل نجم الدين رحمه الله انه قال لو سمعه من جاريته يباح له ذلك واحاله الى واقعات الحسانيته وفى العوارف او زوجته كذا فى فتاوى ابراهيم شاهى- وفى المحيط ذكر محمّد فى السير الكبير عن انس بن مالك انه دخل على أخيه البراء بن مالك وكان يتغنى ١٢ منه برد الله تربته
الأنصار يعجبهم اللهو- رواه البخاري وعن عائشة قالت قال رسول الله ﷺ أعلنوا هذا النكاح واجعلوا فى المساجد واضربوا عليه بالدّفوف رواه الترمذي وقال هذا حديث غريب وعن عائشة قالت كانت عندى جارية من الأنصار زوجتها فقال رسول الله ﷺ يا عائشة الا تغنين فان هذا الحي من الأنصار يحبون الغناء رواه ابن حبان فى صحيحه وعن ابن عباس قال أنكحت عائشة ذات قرابة لها من الأنصار فجاء رسول الله ﷺ فقال اهديتم الفتاة قالوا نعم قالوا أرسلتم معها من تغنّى قالت لا فقال رسول الله ﷺ ان الأنصار قوم فيه غزل فلو بعثتم معها من يقول اتيناكم فحيانا وحياكم. رواه ابن ماجة وعن عامر ابن سعد قال دخلت على قرظ بن كعب وابى مسعود الأنصاري فى عرس وإذا جوار تغنين فقلت اى صاحبى رسول الله واهل بدر يفعل هذا عندكم فقالا اجلس ان شئت فاستمع معنا وان شئت فاذهب فانه قد رخص لنا فى اللهو عند العرس- وعن عائشة ان أبا بكر رضى الله عنه دخل عليها وعندها جاريتان فى ايام منى تدففان وتضربان والنبي ﷺ متفس بثوبه فانتهرهما ابو بكر فكشف النبي ﷺ عن وجهه فقال دعهما يا أبا بكر فانها ايام عيد (تلك ايام منى) رواه البخاري وعند ابن ماجة ان لكل قوم عيدا وهذا عيدنا وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ان امرأة قالت يا رسول الله انى نذرت ان اضرب على رأسك بالدف قال او فى بنذرك- رواه ابو داود وقد قال رسول الله ﷺ لا وفاء لنذر فى معصية الله رواه مسلم وروى ان النبي ﷺ لمّا قدم المدينة ونزل فى بنى نجارا صبرن جوار من بنى النجار يتغنين ويقلن
نحن جوار من بنى نجاريا حبذا محمدا من جار
رواه ابن ماجة عن انس وفيه فقال النبي ﷺ الله يعلم انى لاحبكن- وروى البيهقي عن عائشة ان النبي ﷺ حين قدم المدينة جعل النساء والولاية والصبيان يقلن شعر
طلع البدر علينا من ثنيات الوداعوجب الشكر علينا ما دعى الله داع
ايها المبعوث فينا جئت بالأمر المطاع

تفسير هذه الآية من كتب أخرى