الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي

عن الكتاب
قوله :﴿وَالْبَحْرُ﴾ : قرأ أبو عمرو بالنصب، والباقون بالرفع. فالنصبُ من وجهين، أحدُهما : العطفُ على اسمِ " أنَّ ". أي : ولو أنَّ البحرَ، و " يَمُدُّه " الخبرُ. والثاني : النصبُ بفعلٍ مضمرٍ يُفَسِّره " يمدُّه " والواوُ حينئذٍ للحال. والجملةُ حاليةٌ، ولم يُحْتَجْ إلى ضميرٍ رابطٍ بين الحالِ وصاحبِها، للاستغناءِ عنه بالواوِ. والتقديرُ : ولو أنَّ الذي في الأرضِ حَالَ كونِ البحرِ ممدوداً بكذا.
وأمَّا الرفعُ فمِنْ وجهين، أحدُهما : العطفُ على أنَّ وما في حَيِّزها. وقد تقدَّم لك في " أنَّ " الواقعةِ/ بعد " لو " مذهبان : مذهبُ سيبويهِ الرفعُ على الابتداء، ومذهبُ المبردِ على الفاعليةِ بفعلٍ مقدر، وهما عائدان هنا. فعلى مذهبِ سيبويه يكون تقديرُ العطفِ : ولو البحر. إلاَّ أنَّ الشيخَ قال : إنه لا يلي " لو " المبتدأُ اسماً صريحاً إلاَّ في ضرورةٍ، كقوله :
٣٦٦٠ لو بغير الماءِ حَلْقي شَرِقٌ ***. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وهذا القولُ يُؤَدِّيْ إلى ذلك. ثم أجابَ بأنه يُغْتَفَرُ في المعطوفِ ما لا يُغْتَفَرُ في المعطوفِ عليه كقولهم :" رُبَّ رجلٍ وأخيه يقولان ذلك ". وعلى مذهبِ المبرد يكون تقديرُه : ولو ثَبَت البحرُ، وعلى التقديرَيْن يكون " يمدُّه " جملةً حالية من البحر.
والثاني : أنَّ " البحر " مبتدأٌ، و " يَمُدُّه " الخبر، والجملةُ حالية كما تقدَّم في جملةِ الاشتغال، والرابط الواو. وقد جَعَله الزمخشريُّ سؤالاً وجواباً. وأنشد :
٣٦٦١ وقد أَغْتَدِيْ والطيرُ في وُكُناتِها. . . . . . . . . . . . . . . . . .
و " مِنْ شجَرة " حالٌ : إمَّا من الموصولِ، أو من الضميرِ المستترِ في الجارِّ الواقعِ صلةً، و " أقلامٌ " خبرُ " أنَّ ". قال الشيخُ :" وفيه دليلٌ على مَنْ يَقولُ - كالزمخشريِّ ومَنْ يتعصَّب له من العجم - على أنَّ خبر " أنَّ " الواقعة بعد " لو " لا يكونُ اسماً البتة لا جامداً ولا مشتقاً، بل يتعيَّنُ أَنْ يكونَ فعلاً " قال :" وهو باطِلٌ " وأنشد :
٣٦٦٢ ولو أنها عُصْفورَةٌ لَحَسِبْتُهامُسَوَّمَةً تَدْعو عبيداً وأَزْنَما
وقال :
٣٦٦٣ ما أطيبَ العَيْشَ لو أنَّ الفتى حَجَرٌتَنْبُو الحوادِثُ عنه وهْو مَلْمُومُ
وقال :
٣٦٦٤ ولو أنَّ حياً فائتُ الموتِ فاتهأخو الحربِ فوقَ القارِحِ العَدَوانِ
قال :" وهو كثيرٌ في كلامِهم ". قلت : وقد تقدمَ أولَ هذا الموضوع أنَّ هذه الآيةَ ونحوَها تُبْطِلُ ظاهرَ قولِ المتقدمين في " لو " أنها حرفُ امتناعٍ لامتناعٍ ؛ إذ يَلْزَمُ محذورٌ عظيمٌ : وهو أنَّ ما بعدها إذا كان منفيًّا لفظاً فهو مُثْبَتٌ معنىً، وبالعكس. وقوله :" ما نَفِدَتْ " منفيٌّ لفظاً، فلو كان مثبتاً معنىً فَسَدَ المعنى، فعليك بالالتفاتِ إلى أولِ البقرةِ.
وقرأ عبد الله " وبَحْرٌ " بالتنكير وفيه وجهاه معرَّفاً. وسَوَّغ الابتداءَ بالنكرةِ وقوعُها بعد واوِ الحال، وهو معدودٌ من مسوِّغات الابتداء بالنكرةِ. وأنشدوا :
٣٦٦٥ سَرَيْنا ونجمٌ قد أضاء فَمُذْ بَدامُحَيَّاك أخفى ضَوْءُه كلَّ شارِقِ
وبهذا يظهرُ فسادُ قولِ مَنْ قال : إنَّ في هذه القراءةِ يتعيَّنُ القولُ بالعطفِ على " أنَّ "، كأنه تَوَهَّم أنه ليس ثَمَّ مُسَوِّغٌ.
وقرأ عبد الله وأُبَيٌّ " تَمُدُّه " بالتأنيثِ لأجل " سبعة ". والحسن وابن هرمز وابن مصرف " يُمِدُّه " بالياء من تحتُ مضمومةً وكسرِ الميم مِنْ أمَدَّه. وقد تقدَّم اللغتان في آخر الأعراف وأوائل البقرةِ.
قال الزمخشري :" فإنْ قلتَ : لِمَ قيل :" مِنْ شجرة " بالتوحيد ؟ قلت : أُريد تفصيلُ الشجرِ وتَقَصِّيها شجرةً شجرةً حتى لا يَبْقَى من جنس الشجرِ واحدةٌ إلاَّ قد بُرِيَتْ أقلاماً ". قال الشيخ : وهو مِنْ وقوع المفردِ موقعَ الجمع والنكرةِ موقعَ المعرفةِ، كقوله :﴿مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ﴾ [البقرة: ١٠٦] قلت : وهذا يَذْهبُ بالمعنى الذي أبداه الزمخشري. وقال أيضاً :" فإنْ قلت :" الكلماتُ " جمع قلةٍ، والموضعُ موضعُ تكثيرٍ، فهلا قيل : كَلِم. قلت : معناه أنَّ كلماتِه لا تَفي بكَتْبَتِها البحارُ، فكيف بكَلمِهِ " ؟ قلت : يعني أنه من بابِ التثنية بطريق الأَوْلى. ورَدَّه الشيخُ : بأنَّ جَمْعَ السلامة متى عُرِّف بأل غيرِ العَهْدية أو أُضيف عَمَّ. قلت للناسِ خلافٌ في " أل " هل تعُمُّ أو لا ؟ وقد يكونُ الزمخشريُّ ممَّنْ لا يَرَى العمومَ، ولم يَزَلِ الناسُ يسألونَ في بيت حَسَّان رضي الله عنه :
٣٦٦٦ لنا الجَفَناتُ الغُرُّ يَلْمَعْنَ بالضُّحى. . . . . . . . . . . . . . . . .
ويقولون : كيف أتى بجمع القِلَّة في مقام المدح ؟ ولِمَ لم يَقُلْ الجِفان ؟ وهو تقريرٌ لِما قاله الزمخشريُّ واعترافٌ بأنَّ أل لا تؤثِّر في جمع القلةِ تكثيراً.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى