جامع البيان في تفسير القرآن — الإيجي محيي الدين

عن الكتاب
﴿وَلَوْ(١) أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِن شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ﴾، عطف على محل ( أن ما في الأرض ) فإنه في المعنى فاعل لثبت المقدر بعد لو، ﴿يَمُدُّهُ﴾ أي : البحر وهو حال أو البحر مبتدأ ويمده خبره، والواو للحال من غير ضعف، ﴿مِن بَعْدِهِ﴾ أي : بعد ذلك البحر، ﴿سَبْعَةُ أَبْحُرٍ﴾، فاعل يمده وهي للتكثير لا للحصر، وقد نقل أن في العالم سبعة أبحر محيطة بالعالم، ﴿مَّا نَفِدَتْ(٢) كَلِمَاتُ اللَّهِ﴾ يعني لو ثبت أن أشجار الأرض أقلام، والبحر ممدود بسبعة أبحر وكتبت بتلك الأقلام وبذلك المداد كلمات علم الله وحكمته لما نفدت ونقدت الأقلام والمداد وهو كقوله(٣) :
( نعم العبد صهيب لو لم يخف لم يعصه )(٤) نزلت حين قال أحبار اليهود : يا محمد بلغنا أنك تقول، وما أوتيتم من العلم إلا قليلا أفعنيتنا أم قومك ؟ فقال : كلا، فقالوا : إنك تتلوا إنا قد أوتينا التوراة، وفيها تبيان كل شيء، فقال عليه السلام : هي في علم الله قليل، وقد آتاكم ما إن علمتم به انتفعتم، وهذا يقتضي أن الآية مدنية، والمشهور أنها مكية، قال بعض السلف : أمر اليهود وفد قريش أن يسألوه وهو بمكة، ﴿إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ﴾ : لا يعجزه شيء، ﴿حَكِيمٌ﴾ : في جميع شئونه،
١ ولما أثبت أنه غني حميد أخذ يبين أن لا حدّ لغناه، ولا ضبط ولا حصر لمعلوماته الموجبة لحمده فقال: ﴿ولو أن ما في الأرض﴾ الآية /١٢ وجيز..
٢ قوله تعالى: ﴿ما نفدت كلمات الله﴾ فكلمات الله لا نهاية لها فإن قيل هذا تسلسل، فيقال: هذا ليس تسلسلا في الفاعلين والعلل الفاعلية، فإن هذا ممتنع باتفاق العقلاء، بل هو تسلسل في الآثار والأفعال وحصول شيء بعد شيء وهذا محل النزاع، فالسلف يقولون: لم يزل متكلما إذا شاء وكما شاء، وقد قال تعالى: ﴿قل لو كان البحر﴾ إلى ﴿ولو جئنا بمثله مددا﴾ فكلمات الله لا نهاية لها، وهذا تسلسل جائز كالتسلسل في المستقبل، فإن نعيم الجنة دائم لا نفاد له فما من شيء إلا وبعده شيء بلا نهاية /١٢ شيخ الإسلام، وقال الحافظ ابن القيم في النونية:
فلئن زعمتم أن ذاك تسلسلقلنا صدقتم وهو ذو إمكان
كتسلسل التأثير في مستقبلهل بين ذينك قط من فرقان
والله ما افترقا لدى عقل ولانقل ولا نظر ولا برهان
في سلب إمكان ولا في ضدههذي العقول ونحن ذو أذهان
فليأت بالفرقان من هو فارقفرقا يبين لصالح الأذهان
إلى أن قال:
فلئن سألت وقلت ما هذا الذيإذا هم بخلاف ذا التبيان
ولأي شيء لم يقولوا إنهسبحانه هو دائم الإحسان
فاعلم بأن القوم لما أسسواأصل الكلام عموا عن القرآن
وعن الحديث ومقتضى المعقول بلعن فطرة الرحمن والبرهان
بنوا قواعدهم عليه فقادهمقسرا إلى التعطيل والبطلان
نفي القيام لكل أمر حادثبالرب خوف تسلسل الأعيان
فيسد ذاك عليهم في زعمهمإثبات صانع هذه الأكوان
إذا أثبتوه بكون الأجسام حادثة فلا تنفك عن حدثان
فإذا تسلسلت الحوادث لم يكنلحدوثها إذ ذاك من برهان
فلأجل ذا قالوا التسلسل باطلوالجسم لا يخلو عن الحدثان
إلى أن قال:
هذا الدليل هو الذي أرداهمبل هد كل قواعد القرآن
وهو الدليل الباطل المردودعنه أئمة التحقيق والعرفان
مازال أمر الناس معتدلا إلىأن دار في الأوراق والأذهان
وتمكنت أجزاؤه بقلوبهمفأتت لوازمه إلى الإيمان
رقعت قواعده ونحت أسهفهوى البناء فخر للأركان
إلى أن قال:
أيكون حقا ذا الدليل وما اهتدىخير القرون محال ذان
وفقتموا للحق إذا حرموه فيأصل اليقين ومقعد العرفان
وهديتمونا للذي لم يهتدواأبدا به وأشدة الحرمان
وخلتم للحق من باب ومادخلوه واعجبا لذي الخذلان
وسلكتموا طرق الهدى والعلمدون القوم واعجبا لذا البهتان
وعرفتم الرحمن بالأجساموالأعراض والحركات والألوان
وهم عرفوه منها بل منالآيات وهي فغير ذي برهان
الله أكبر أنتم أو هم علىحق وفي غي وفي خسران
دع ذا أليس الله قد أبدى لناحق الأدلة وهي في القرآن
متنوعات صرفت وتظاهرتفي كل وجه فهي ذوا أفنان
معلومة للعقل أو مشهودةللحس أو في فطرة الرحمن
إلى آخر ما بين وفصل وميز الحق عن الباطل والصواب عن الخطأ فجزاه الله خير الجزاء /١٢..

٣ بيانه أن ما هو علة للنفاد لو وجد يكون علة لعدم النفاد فكيف لو لم يوجد علة للنفاد! فافهم /١٢ منه..
٤ ذكره العجلوني في (كشف الخفاء) (٢/٣٩١) وقال: (اشتهر في كلام الأصوليين وأصحاب المعاني وأهل العربية من حديث عمر، وبعضهم يرفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم-، وذكره البهاء السبكي أنه لم يظفر به بعد البحث، وكذا كثير من أهل اللغة، لكن نقل في المقاصد عن الحافظ ابن حجر أنه ظفر به في مشكل الحديث لابن قتيبة من غير إسناد..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى