التفسير الوسيط — محمد سيد طنطاوي

عن الكتاب
ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة بدعوة الناس إلا الاستعدد ليوم الحساب وإلى مراقبة الله - تعالى - فى كل أحوالهم، لأنه - سبحانه - لا يخفى عليه شئ منها. فقال :﴿ياأيها الناس اتقوا رَبَّكُمْ.... عَلَيمٌ خَبِيرٌ﴾.
والمعنى :﴿ياأيها الناس اتقوا رَبَّكُمْ﴾ بأن تطيعوه ولا تعصوه، وبأن تشكروه ولا تكفروه، واخشوا يوما، أى : وخافوا أهوال يوم عظيم.
﴿لاَّ يَجْزِي وَالِدٌ عَن وَلَدِهِ﴾ أى : لا يستطيع والد أن ينفع ولده بشئ من النفع فى هذا اليوم. أو أن يقضى عنه شيئا من الأشياء.
﴿وَلاَ مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَن وَالِدِهِ شَيْئاً﴾ أى : ولا يستطيع المولود - أيضا - أن يدفع عن والده شيئا مما يحتاجه منه.
وخص - سبحانه - الوالد والمولود بالذكر، لأن رابطة المحبة والمودة بينهما هى أقوا الروابط وأوثقها، فإذا انتفى النفع بينهما فى هذا اليوم، كان انتفاؤه بالنسبة لغيرها من باب أولى.
وقوله :﴿إِنَّ وَعْدَ الله حَقٌّ﴾ أى : إن ما وعد الله - تعالى - به عباده من البعث والحساب والثواب والعقاب، حق وثابت ثبوتا لا يقبل الشك أو التخلف.
وما دام الأمر كذلك ﴿فَلاَ تَغُرَّنَّكُمُ الحياة الدنيا﴾ أى : فلا تخدعنكم الحياة الدنيا بزخارفها وشهواتها ومتعها، ولا تشغلنكم عن طاعة الله - تعالى - وعن حسن الاستعداد لهذا اليوم الهائل الشديد. فإن الكيسِّ الفطن هو الذى يتزود لهذا اليوم بالإِيمان الحق، والعمل الصالح النافع.
﴿وَلاَ يَغُرَّنَّكُم بالله الغرور﴾ أى : ولا يصرفنكم الشيطان عن طاعة الله، وعن امتثال أمره. فالمراد بالغرور : الشيطان. أو كل ما يصرفك عن طاعة الله - تعالى.
قال الآلوسى :﴿وَلاَ يَغُرَّنَّكُم بالله الغرور﴾ أى : الشيطان، كما روى عن ابن عباس وغيره. بأن يحملكم على المعاصى بتزيينها لكم.. وعن أبى عبيدة : كل شئ غرك حتى تعصى الله - تعالى - فهو غرور سواء أكان شيطانا أم غيره وعلى ذلك ذهب الراغب فقال : الغرور كل ما يغر الإِنسان من مال أو جاه أو شهوة أو شيطان.. وأصل الغرور : من غر فلان فلانا، إذا أصاب غرته، أى : غفلته، ونال منه ما يريد. به الخداع.
والظاهر أن " بالله " صلة " يغرنكم " أى : لا يخدعنكم بذكر شئ من شئونه - تعالى -، يجركم بها على معاصيه - سبحانه.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى