الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — الزمخشري

عن الكتاب
﴿لاَّ يَجْزِى﴾ لا يقضي عنه شيئاً. ومنه قيل للمتقاضي : المتجازي. وفي الحديث في جذعة بن نيار :" تجزِي عنكَ ولا تجزِي عنْ أحدٍ بعدَك " وقرىء :«لا يجزىء » لا يغني. يقال : أجزأت عنك مجزأ فلان. والمعنى : لا يجزى فيه، فحذف. ﴿الغرور﴾ الشيطان. وقيل : الدنيا وقيل : تمنيكم في المعصية المغفرة. وعن سعيد بن جبير رضي الله عنه : الغرّة بالله : أن يتمادى الرجل في المعصية ويتمنى على الله المغفرة. وقيل : ذكرك لحسناتك ونسيانك لسيئاتك غرة. وقرىء بضم الغين وهو مصدر غره غروراً، وجعل الغرور غارًّا، كما قيل : جدّ جدّه. أو أريد زينة الدنيا لأنها غرور.
فإن قلت : قوله :﴿وَلاَ مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَن وَالِدِهِ شَيْئاً﴾ وارد على طريق من التوكيد لم يرد عليه ما هو معطوف عليه. قلت : الأمر كذلك ؛ لأنّ الجملة الإسمية أكد من الفعلية، وقد انضم إلى ذلك قوله :﴿هُوَ﴾ وقوله :﴿مَوْلُودٌ﴾ والسبب في مجيئه على هذا السنن : أنّ الخطاب للمؤمنين وعليتهم : قبض آباؤهم على الكفر وعلى الدين الجاهلي، فأريد حسم أطماعهم وأطماع الناس فيهم : أن ينفعوا آباءهم في الآخرة، وأن يشفعوا لهم، وأن يغنوا عنهم من الله شيئاً ؛ فلذلك جيء به على الطريق الآكد. ومعنى التوكيد في لفظ المولود : أن الواحد منهم لو شفع للأب الأدنى الذي ولد منه، لم تقبل شفاعته، فضلاً أن يشفع لمن فوقه من أجداده ؛ لأنّ الولد يقع على الولد وولد الولد ؛ بخلاف المولود فإنه لمن ولد منك.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى