اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي

عن الكتاب
فلما سمع إبراهيمُ- صلوات الله وسلامه عليه- كلام أبيه، أجاب بأمرين :
أحدهما : أنه وعدُه بالتَّباعُد منه ؛ موافقة وانقياداً لأمْرِ أبيه. والثاني : قوله :﴿سَلاَمٌ عَلَيْكَ﴾ توديعٌ، ومتاركةٌ، أي : سلمتَ منِّي لا أصيبُك بمكروهٍ ؛ وذلك لأنَّه لم يؤمر بقتاله على كفره ؛ كقوله تعالى :﴿لَنَآ أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ لاَ نَبْتَغِي الجاهلين﴾ [القصص: ٥٥]، ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الجَاهِلُونَ قَالُواْ سَلاَماً﴾ [الفرقان: ٦٣].
وهذا يدلُّ على جواز متاركة المنصُوح، إذا ظهر منه اللَّجاج، وعلى أنَّه تحسُن مقابلةُ الإساءةِ بالإحسان، ويجوزُ أن يكون دعا لهُ بالسَّلامة ؛ استمالة له.
ألا ترى أنَّه وعدُه بالاستغفار ؛ فيكون سلام برٍّ ولطفٍ، وهو جوابُ الحليمِ للسَّفيه ؟ !
كقوله سبحانه :﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الجَاهِلُونَ قَالُواْ سَلاَماً﴾ [الفرقان: ٦٣].
وقرأ أبو البرهسم(١) " سلاماً " بالنصب، [ وتوجيهها ](٢) واضحٌ ممَّا تقدَّم.
قوله :﴿سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ ربي﴾، أي : لمَّا أعياه أمرُه، وعدهُ أن يراجع الله فيه، فيسألهُ أن يرزقه التَّوحيد، ويغفر له، والمعنى : سأسأل الله لك توبةٌ تنالُ بها المغفرة :﴿إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيّاً﴾ برَّا لطيفاً.
واحتجَّ بهذه الآية من طعن في عصمة الأنبياءِ- صلوات الله عليهم- وذلك أنَّ إبراهيم- صلوات الله عليه وسلامه- استغفر لأبيه، وأبُوه كان كافراً، والاستغفارُ للكُفَّار غيرُ جائزٍ ؛ فثبت أنَّ إبراهيم- صلوات الله عليه- فعل ما لا يجوزُ.
أما استغفارهُ أبيه ؛ فلقوله :﴿سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ ربي﴾ وقوله :﴿واغفر لأبي إِنَّهُ كَانَ مِنَ الضآلين﴾ [الشعراء: ٨٦]
وأما كون أبيه كافراً ؛ فبالإجماع، ونصِّ القرآن.
وأمَّا أن الاستغفار [ للكافر ] لا يجوزُ ؛ فلقوله تعالى :﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ والذين آمنوا أَن يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كانوا أُوْلِي قربى﴾ [التوبة: ١١٣] ولقوله- عزَّ و جلَّ- في سورة الممتحنة ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ في إِبْرَاهِيمَ﴾ إلى قوله :﴿إِلاَّ قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لأَبِيهِ لأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ﴾ [الممتحنة: ٤].
والجوابُ : أن الآية تدلُّ على أنَّه لا يجوزُ لنا التأَّسِّي به في ذلك ؛ لكنَّ المنع من التَّأسِّي به في ذلك لا يدلُّ على أنَّ ذلك كان معصيةٌ ؛ فإن كثيراً من الأشياء هي من خواصِّ رسُول الله- صلوات الله عليه وسلامه- ولا يجُوزُ لنا التَّأسِّي به فيها، مع أنَّها كانت مباحةٌ له.
وأيضاً : لعلَّ هذا الاستغفار كان من باب ترك الأولى، وحسناتُ الأبْرارِ سيِّئاتُ المقرَّبينَ.
١ ينظر: البحر ٦/١٨٤، والدر المصون ٤/٥١٠..
٢ في ب: وهو..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى