فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني

عن الكتاب
﴿قَالَ سلام عَلَيْكَ﴾ أي تحية توديع ومتاركة كقوله :﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الجاهلون قَالُوا سَلاَماً﴾ [الفرقان: ٦٣]. وقيل : معناه : أمنة مني لك، قاله ابن جرير. وإنما أمنه مع كفره لأنه لم يؤمر بقتاله، والأوّل أولى، وبه قال الجمهور. وقيل : معناه الدعاء له بالسلامة، استمالة له ورفقاً به ثم وعده بأن يطلب له المغفرة من الله سبحانه تألفاً له وطمعاً في لينه وذهاب قسوته :
والشيخ لا يترك أخلاقهحتى يوارى في ثرى رمسه
وكان منه هذا الوعد قبل أن يعلم أنه يموت على الكفر، وتحق عليه الكلمة، ولهذا قال الله سبحانه في موضع آخر :﴿فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ﴾. بعد قوله :﴿وَمَا كَانَ استغفار إبراهيم لأبِيهِ إِلاَّ عَن مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ﴾ [التوبة: ١١٤] وجملة :﴿إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيّاً﴾ تعليل لما قبلها ؛ والمعنى : سأطلب لك المغفرة من الله، فإنه كان بي كثير البرّ واللطف. يقال : حفي به وتحفّى إذا برّه. قال الكسائي : يقال حفي بي حفاوة وحفوة. وقال الفراء : إنه كان بي حفياً، أي عالماً لطيفاً يجيبني إذا دعوته.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وقد أخرج ابن المنذر. وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله :﴿لأرْجُمَنَّكَ﴾ قال : لأشتمنك ﴿واهجرني مَلِيّاً﴾ قال : حيناً. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عنه ﴿واهجرني مَلِيّاً﴾ قال : اجتنبني سوياً. وأخرج ابن أبي حاتم عنه أيضاً في الآية قال : اجتنبني سالماً قبل أن تصيبك مني عقوبة. وأخرج عبد بن حميد عن سعيد بن جبير وعكرمة ﴿مَلِيّاً﴾ دهراً. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن قتادة قال : سالماً. وأخرج عبد بن حميد عن الحسن مثله. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس ﴿إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيّاً﴾ قال : لطيفاً. وأخرج ابن أبي حاتم عنه في قوله :﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إسحاق وَيَعْقُوبَ﴾ قال : يقول : وهبنا له إسحاق ويعقوب ابن ابنه. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عنه أيضاً في قوله :﴿وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيّاً﴾ قال : الثناء الحسن.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى