التفسير الوسيط — محمد سيد طنطاوي

عن الكتاب
ثم ساق - سبحانه - جانباً من فضائل إسماعيل - عليه السلام - وهو الفرع الثانى من ذرية إبراهيم، فقال - تعالى - :﴿واذكر فِي الكتاب...﴾.
أى : واذكر فى هذا الكتاب لقومك - أيها الرسول الكريم - خبر جدك إسماعيل بن إبراهيم - عليهما السلام - لكى يتأسوا به فى صفاته الجليل، ﴿إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الوعد﴾ ويكفى للدلالة على صدق وعده، وشدة وفائه، أنه وعد أباه بصبر على ذبحه فمل يخلف وعده. بل قال - كما حكى القرآن عنه - ﴿ياأبت افعل مَا تُؤمَرُ ستجدني إِن شَآءَ الله مِنَ الصابرين﴾ ووصف بصدق الوعد وإن كان غيره من النبيين كذلك تشريفاً وتكريماً له، ولأن هذا الوصف من الأوصاف التى اكتملت شهرتها فيه.
وقد مدح الله - تعالى - الأوفياء بعهودهم فى آيات كثيرة منها قوله - تعالى - ﴿والموفون بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُواْ والصابرين فِي البأسآء والضراء وَحِينَ البأس أولئك الذين صَدَقُواْ وأولئك هُمُ المتقون﴾ وروى الإمام الطبرانى عن ابن مسعود قال : لا يعد أحدكم صبيه ثم لا ينجز له فإن رسول الله - ﷺ - قال : " العدة دين ".
وقال القرطبى : " والعرب تمتدح بالوفاء، وتذم بالخلف والغدر، وكذلك سائر الأمم، ولقد أحسن القائل :
متى ما يقل حر لصاحب حاجة نعم، يقضها، والحر للوعد ضامن.
وقوله - تعالى - :﴿وَكَانَ رَسُولاً نَّبِيّاً﴾ أى : وكان من رسلنا الذين أرسلناهم لتبليغ شريعتنا، ومن أنبيائنا الذين رفعنا منزلتهم وأعلينا قدرهم.
قالوا : وكانت رسالته بشريعة أبيه إلى قبيلة جرهم من عرب اليمن، الذين نزلوا على أمه هاجر بوادى مكة حين خلفها إبراهيم وهى وابنها بذلك الوادى، فسكنوا هناك حتى كبر إسماعيل وزوجوه منهم، وأرسله الله - تعالى - إليهم ".

تفسير هذه الآية من كتب أخرى