اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي

عن الكتاب
﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَاناً عَلِيّاً﴾.
قيل : يعني في الجنَّةِ، وقيل : هي الرِّفعة بعُلُوِّ الرُّتْبَة في الدُّنيا ؛ كقوله تعالى ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ [الشرح: ٤] وقيل : إنَّه رفع إلى السماءِ ؛ روى أنسُ بن مالكٍ -رضي الله عنه- عن مالك بن صعصعة، عن النبي ﷺ أنَّه رأى إدريسَ -صلوات الله عليه- في السماءِ الرَّابعةِ، ليلة المعراج(١) وكان سببُ رفع إدريس على ما قاله " كَعْبٌ " وغيره -أنَّهُ [ سَارَ ](٢) ذات يومٍ في حاجةٍ، فأصابه وهج الشمس ؛ فقال : يا ربِّ، أنا مشيتُ يوماً فيها ؛ فأصابني المشقةُ الشديدة من وهج الشمس، وأضرَّني حرُّها ضرراً بليغاً -فكيف يحملُها مسيرة خمسمائةِ عامٍ في يومٍ واحدٍ ؟ ! اللَّهُمَّ، خفِّف عنه من ثقلها، وحرِّها، فلمَّا أصبح الملكُ، وجد من خفَّة الشَّمس، وحرها ما لا يعرف ؛ فقال : يا ربِّ، ما الذي قضيت فيه ؟ قال : إنَّ عبدي إدريس سألني أنَّ أخفِّفق عنك حملها، وحرِّها ؛ فأجبته، فقال : ربِّ، اجعل بيني وبينه خُلَّة، فأذن له ؛ حتى أتى إدريسَ، فكان يسألُه إدريسُ، فقال له : إنِّي أخبرتُ أنَّك أكرمُ الملائكةِ، وأمكنُهم عن ملكِ الموتِ ؛ فاشفعْ لي إليه ؛ ليُؤخِّر أجلِي ؛ فأزداد شكراً وعبادة، فقال الملكُ : يؤخِّرُ الله نفساً، إذا جاء أجلها، وأنا مُكَلِّمُهُ، فرفعهُ إلى السَّماءِ، ووضعهُ عند مطلع الشَّمس، ثُمَّ أتى ملك الموتِ، فقال : حاجةٌ لي إليك ؛ صديقٌ لي مِنْ بني آدم، تشفَّع بي إليك ؛ تُؤخِّر أجله، قال : ليس ذلك إليّ، ولكت إن أحببت، أعلمته أجله ؛ فيتقدَّمُ في نفسه، قال : نَعَم، فنظر في ديوانه، فقال : إنَّك كلَّمتني في إنسانٍ، ما أراه أن يموت أبداً، قال : وكيف ؟ قال : لا أجده يموتُ إلا عند مطلع الشَّمس، قال : فإني أتَيْتُكَ، وتركته هناك : قال : انطلقْ، فلا أرَاكَ تجده إلاَّ وقد مات ؛ فواللهِ، ما بقي من أجلِ إدريسَ شيءٌ ؛ فرجع الملكُ، فوجده ميتاً(٣).
واختلفُوا في أنَّه حيٌّ في السماء، أم ميِّتٌ ؛ فقيل : هو ميتٌ، وقيل : حيٌّ، وقيل : أربعةٌ من الأنبياء أحياءٌ، اثنان في الأرض ؛ " الخَضِرُ، وإلياسُ " واثنان في السماءِ " إدريسُ، وعيسَى " صلواتُ الله عليهم.
١ تقدم في سورة الإسراء..
٢ في ب: سئل..
٣ ذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٤/٤٩٤) وعزاه إلى ابن أبي شيبة في "المصنف" وابن أبي حاتم عن ابن عباس عن كعب..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى