الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي

عن الكتاب
قوله :﴿أَإِذَا مَا مِتُّ﴾ :" إذا " منصوبةٌ بفعلٍ مقدرٍ مدلولٍ عليه بقوله تعالى ﴿لَسَوْفَ أُخْرَجُ﴾ تقديرُه : إذا مِتُّ أُبْعَثُ أو أُحيا. ولا يجوز أن يكونَ العاملُ فيه " أُخْرِج " لأنَّ ما بعد لام الابتداء لا يعمل فيما قبلها. قال أبو البقاء :" لأنَّ ما بعد اللامِ وسوف لا يَعْمل فيما قبلها كإنَّ " قلت : قد جَعَلَ المانعَ مجموعَ الحرفين : أمَّا اللامُ فمُسَلَّمٌ، وأمَّا حرفُ التنفيسِ فلا مَدْخَلَ له في المنع ؛ لأنَّ حرفَ التنفيسِ يَعْمَلُ ما بعده فيما قبله. تقول : زيداً سأضرب، وسوف أضرب، ولكنْ فيه خلافٌ ضعيفٌ، والصحيحُ الجوازُ، وأنشدوا عليه :
فلمَّا رَأَتْع أمُّنا هانَ وَجْدُها *** وقالت : أبونا هكذا سوف يَفْعَلُ
ف " هكذا " منصوب ب " يَفْعَل " بعد حرف التنفيس.
وقال ابن عطية : واللامُ في قوله :" لَسَوْف " مجلوبةٌ على الحكاية لكلامٍ تقدَّم بهذا المعنى، كأنَّ قائلاً قال للكافر : إذا مِتَّ يا فلان لسوف تُخْرَجُ حَيَّاً، فقرَّر الكلامَ على الكلام على جهةِ الاستبعادِ، وكرَّر اللامَ حكايةً للقول الأول ".
قال الشيخ :" ولا يُحتاج إلى هذا التقدير، ولا أن هذا حكايةُ لقولٍ تقدَّمَ، بل هو من كلامِ الكافرِ، وهو استفهامٌ فيه معنى الجحدِ والاستبعادِ ".
وقال الزمخشري :" لامُ الابتداءِ الداخلةُ على المضارع تعطي معنى الحالِ فكيف جامَعَتْ حرفَ الاستقبال ؟ قلت : لم تجامِعْها إلا مُخْلِّصَةً للتوكيد كما أَخْلَصَت الهمزةُ في " يا الله " للتعويض، واضمحلَّ عنها معنى التعريف ". قال الشيخ :" وما ذَكَرَ مِنْ أنَّ اللامَ تعطي الحالَ مخالَفٌ فيه، فعلى مذهبِ مَنْ لا يرى ذلك يُسْقط السؤال. وأمَّا قولُه :" كما أَخْلَصَت الهمزة " فليس ذلك إلا على مذهبِ مَنْ يزعم أنَّ أصلَه إلاه، وأمَّا مِنْ يزعم أنَّ أصله : لاه، فلا تكون الهمزةُ فيه للتعويضِ ؛ إذ لم يُحْذَفْ منه شيءٌ، ولو قلنا : إن أصلَه إلاه، وحُذِفَتْ فاءُ الكلمة، لم يتعيَّنْ أنَّ الهمزةَ فيه في النداء للتعويض، إذ لو كانَتْ عوضاً من المحذوف لَثَبَتَتْ دائماً في النداء وغيرِه، ولَمَات جاز حذفُها في النداء، قالوا :" يا الله " بحَذْفِها، وقد نَصُّوا على أن [ قطعَ ] همزةِ الوصل في النداء شاذ ".
وقرأ الجمهور " أإذا " بالاستفهامِ وهو استبعادٌ كما تقدَّم. وقرأ ابن ذكوان بخلافٍ عنه وجماعةٌ " إذا " بهمزةٍ واحدة على الخبر، أو للاستفهامِ وحذَف أداتَه للعلمِ بها، ولدلالةِ القراءةِ الأخرى عليها.
وقرأ طلحة بن مصرف " لَسَأَخْرَجُ " بالسين دون سوف، هذا نَقْلُ الزمخشريِّ عنه، وغيرُه نَقَل عنه " سَأَخْرُج " دونَ لامِ ابتداء، وعلى هذه القراءةِ يكونُ العاملُ في الظرف نفسَ " أُخْرَج "، ولا يمنع حرفُ التنفيسِ على الصحيح.
وقرأ العامَّةُ " أُخْرَجُ " مبنياً للمفعول. والحسن وأبو حيوة " أَخْرِجُ " مبنياً للفاعل. و " حَيَّاً " حالٌ مؤكِّدة لأنَّ مِنْ لازمِ خروجِه أن يكونَ " حَيَّاً " وهو كقولِه :﴿أُبْعَثُ حَيّاً﴾ [مريم: ٣٣].
وقرأ نافع وابن عامر وعاصم وجماعة " يَذْكُرُ " مخففاً مضارعَ " ذكر "، والباقون بالتشديد مضارعَ تَذَكَّر، والأصل " يتذكَّر " فأُدْغِمَتْ التاءُ في الذال. وقد قرأ بهذا الأصلِ وهو يَتَذَكَّر : أُبَيُّ.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى