الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — الزمخشري

عن الكتاب
الواو عطفت ﴿أَوَلاَ يَذْكُرُ﴾ على ﴿يَقُولُ﴾ ووسطت همزة الإنكار بين المعطوف عليه وحرف العطف، يعني : أيقول ذاك ولا يتذكر حال النشأة الأولى حتى لا ينكر الأخرى فإن تلك أعجب وأغرب وأدلّ على قدرة الخالق ؟ ؟ حيث أخرج الجواهر والأعراض من العدم إلى الوجود، ثم أوقع التأليف مشحوناً بضروب الحكم التي تحار الفطن فيها، من غير حذو على مثال واقتداء بمؤلف. ولكن اختراعاً وإبداعاً من عند قادر جلت قدرته ودقت حكمته. وأما الثانية فقد تقدمت نظيرتها وعادت لها كالمثال المحتذى عليه، وليس فيها إلا تأليف الأجزاء الموجودة الباقية وتركيبها، ورّدها إلى ما كانت عليه مجموعة بعد التفكيك والتفريق. وقوله تعالى :﴿وَلَمْ يَكُ شَيْئاً﴾ دليل على هذا المعنى، وكذلك قوله تعالى :﴿وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم: ٢٧] على أن رب العزّة سواء عليه النشأتان، لا يتفاوت في قدرته الصعب والسهل، ولا يحتاج إلى احتذاء على مثال ؛ ولا استعانة بحكيم، ولا نظر في مقياس، ولكن يواجه جاحد البعث بذلك دفعاً في بحر معاندته، وكشفاً عن صفحة جهله. القراء كلهم على ﴿لا يذكر﴾ بالتشديد إلا نافعاً وابن عامر وعاصماً رضي الله عنهم، فقد خففوا. وفي حرف أبيّ «يتذكر » ﴿مِن قَبْلُ﴾ من قبل الحالة التي هو فيها وهي حالة بقائه.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى