الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي

عن الكتاب
قوله :﴿مَن كَانَ فِي الضَّلاَلَةِ﴾ :" مَنْ " يجوز ان تكونَ شرطيةً، وهو الظاهر، وأن تكونَ موصولةً، ودخلت الفاءُ في الخبرِ لِما تَضَمَّنه الموصولُ مِنْ معنى الشرط. وقولُه :" فَلْيَمْدُدْ " فيه وجهان، أحدُهما : أنه طَلَبٌ على بابه، ومعناه الدُّعاءُ. والثاني : لفظُه لفظُ الأمرِ، ومعناه الخبر. قال الزمخشري : أي : مَدَّ له الرحمنُ، بمعنى أَمْعَلَه فأُخْرِجَ على لفظِ الأمرِ إيذاناً بوجوبِ ذلك. أو فَمُدَّ له في معنى الدعاء بأن يُمْهِلَه الله ويُنَفِّسَ في مدةِ حياتِه ".
قوله :" حتى إذا " في " حتى " هذه ما تقدَّمَ في نظائرِها مِنْ كونِها : حرفَ جرٍّ أو حرفَ ابتداءٍ، وإنما الشأنُ فيما هي غايةٌ له على كلا القولين. فقال الزمخشري :" وفي هذه الآيةِ وجهان : أن تكونَ موصولةً، بالآيةِ التي هي رابِعَتُها، والآيتان اعتراضٌ بينهما، أي : قالوا : أيُّ الفريقينِ خيرٌ مقاماً وأَحْسَنُ نَدِيَّاً، حتى إذا رَأَوْا ما يُوْعَدون، أي : لا يَبْرَحون يقولون هذا القولَ ويَتَوَلَّعُون [ به ] لا يَتَكَافَوْن عنه إلى أن يُشاهدون الموعودَ رأيَ العينِ " وذكر كلاماً حسناً.
ثم قال :" والثاني : أن تتصلَ بما يليها، والمعنى أنَّ الذينَ في الضلالةِ ممدودٌ لهم " وذكر كلاماً طويلاً. ثم قال :" إلى أَنْ يُعايِنوا نُصْرَةَ / اللهِ للمؤمنين، أو يشاهدوا السَّاعة ومُقَدِّماتها. فإنْ قلت :" حتى " هذه ما هي ؟ قلت : هي التي تُحْكى بعدها الجملُ، ألا ترى الجملةَ الشرطيةَ واقعةً بعدها، وهي ﴿إِذَا رَأَوْاْ مَا يُوعَدُونَ. . . فَسَيَعْلَمُونَ﴾.
قال الشيخ :- مُسْتبعداً للوجه الأول- " وهو في غاية البُعْدِ لطولِ الفَصْلِ بين قولِه :" قالوا أيُّ الفريقينِ " وبين الغايةِ، وفيه الفصلُ بجملتيْ اعتراَض ولا يُجيزه أبو علي ". وهذا الاستبعادُ قريبٌ. وقال أبو البقاء :" حتى " يُحْكَى ما بعدها ههنا، وليست متعلقةً بفعلٍ ".
قوله :﴿إِمَّا العَذَابَ وَإِمَّا السَّاعَةَ﴾ قد عَرَفْتَ [ ما ] في " إمَّا " : من كونِها حرفَ عطفٍ أولا، ولا خلاف أن أحدَ معانيها التفصيل كما في الآية الكريمة. و " العذابَ " و " الساعةَ " بدلانِ مِنْ قوله :﴿مَا يُوعَدُونَ﴾ المنصوبةِ ب " رَأَوْا " و " فَسَيَعْلمون " جوابُ الشرط.
و ﴿مَنْ هُوَ شَرٌّ مَّكَاناً﴾ يجوز أَنْ تكونَ " مَنْ " موصولةً بمعنى الذي، وتكونَ مفعولاً ل " يَعْلَمون ". ويجوزُ أَنْ تكونَ استفهاميةً في محلِّ رفعٍ بالابتداء، و " هو " مبتدأُ ثانٍ، و " شَرٌّ " خبرُه، والمبتدأُ والخبرُ خبرُ الأول. ويجوز أَنْ تكونَ الجملةُ مُعَلَّقةً لفعل الرؤيةِ فالجملةُ في محلِّ نصبٍ على التعليق.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى