الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي

عن الكتاب
وروى ابن عطية والدانيُّ وغيرُه عن أبي نهيك أنه قرأ " كُلاَّ " بضم الكافِ والتنوين. وفيها تأويلان، أحدهما : أن ينتصِبَ على الحالِ، أي : سيكفرون جميعاً. كذا قَدَّره أبو البقاء واستبعدَه. والثاني : أنه منصوبٌ بفعلٍ مقدرٍ، أي : يَرْفُضون أو يَجْحَدون أو يُتْرَكُون كُلاًّ، قاله ابن عطية.
وحكى ابن جرير أنَّ أبا نهيك قرأ " كُلٌّ " بضم الكاف ورفع اللام منونةً على أنَّه مبتدأ، والجملةُ الفعليةُ بعد خبرُه. وظاهرُ عبارةِ هؤلاء أنه لم يُقرأ بذلك إلا في " كُلاَّ " الثانية.
وقرأ عليٌّ بن أبي طالب " ونُمِدُّ " مِنْ أمَدَّ. وقد تقدَّم القولُ في مَدَّه وأمدَّه.
والضمير في ﴿سَيَكْفُرُونَ﴾ يجوز أن يعودَ على الآلهةِ لأنه أقربُ مذكورٍ، ولأنَّ الضميرَ في " يكونون " أيضاً عائدٌ عليهم فقط. ومثلُه :﴿وَإِذَا رَأى الَّذِينَ أَشْرَكُواْ شُرَكَآءَهُمْ﴾ [النحل: ٨٦] ثم قال :﴿فَألْقَوْا إِلَيْهِمُ الْقَوْلَ إِنَّكُمْ لَكَاذِبُونَ﴾. وقيل : يعود على المشركين ". ومثلُه قولُه :﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٢٣]. إلا أنَّ فيه عَدَمَ توافقِ الضمائرِ إذ الضميرُ في " يكونون " عائدٌ على الآلهة، و " بعبادتهم " مصدرٌ مضافٌ إلى فاعِلِه إنْ عاد الضميرُ في " عبادتهم " على المشركين العابدين، وإلى المفعولِ إنْ عاد إلى الآلهة.
وقوله :" ضِدَّاً " إنما وَحَّده، وإن كان خبراً عن جَمْع، لأحدِ وجهين : إمَّا لأنَّه مصدرٌ في الأصلِ، والمصادرُ مُوَحَّدةٌ مُذَكَّرَةٌ، وإمَّا لأنه مفردٌ في معنى الجمع. قال الزمخشري :" والضِّدُّ : العَوْنُ، وُحِّدَ توحيدَ " وهم يَدٌ على مَنْ سواهم " لاتفاق كلمتِهم، وأنَّهم كشيءٍ واحدٍ لفَرْطِ تَضَامَّهم وتوافُقِهم والضِّدُّ : العَوْن والمُعاوَنَة. ويقال : مِنْ أضدادكم، أي : أَعْوانكم ". قيل : وسُمِّي العَوْنُ ضِدَّاً لأنه يُضادُّ مَنْ يُعاديك ويُنافيه بإعانتِك له عليه. وفي التفسير : أنَّ الضدَّ هنا الأعداءُ. وقيل : القِرْن. وقيل : البلاءُ وهذه تناسِبُ معنى الآية.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى