الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — الزمخشري

عن الكتاب
﴿كَلاَّ﴾ ردع لهم وإنكار لتعززهم بالآلهة. وقرأ ابن نهيك «كلا » ﴿سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ﴾ أي سيجحدون كلا سيكفرون بعبادتهم، كقولك : زيداً مررت بغلامه. وفي محتسب ابن جني : كلا بفتح الكاف والتنوين، وزعم أن معناه كل هذا الرأي والاعتقاد كلا. ولقائل أن يقول : إن صحت هذه الرواية فهي ( كلا ) التي هي للردع، قلب الواقف عليها ألفها نوناً كما في قواريراً. والضمير في ﴿سَيَكْفُرُونَ﴾ للآلهة، أي : سيجحدون عبادتهم وينكرونها ويقولون : والله ما عبدتمونا وأنتم كاذبون. قال الله تعالى :﴿وَإِذَا رَءا الذين أَشْرَكُواْ شُرَكَآءهُمْ قَالُواْ رَبَّنَا هؤُلآءِ شُرَكَآؤُنَا الذين كُنَّا نَدْعُوْا مِن دُونِكَ فَألْقَوْا إِلَيْهِمُ القول إِنَّكُمْ لكاذبون﴾ [النحل: ٨٦] أو للمشركين : أي ينكرون لسوء العاقبة أن يكونوا قد عبدوها. قال الله تعالى :﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ والله رَبّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٢٣] ﴿عَلَيْهِمْ ضِدّاً﴾ في مقابلة ﴿لَهُمْ عِزّاً﴾ والمراد ضدّ العز وهو الذل والهوان، أي : يكونون عليهم ضداً لما قصدوه وأرادوه، كأنه قيل : ويكونون عليهم ذلاً، لا لهم عزاً أو يكونون عليهم عوناً، والضدّ : العون. يقال من أضدادكم : أي أعوانكم وكأن العون سمي ضداً لأنه يضادّ عدوّك وينافيه بإعانته لك عليه.
فإن قلت : لم وحد ؟ قلت : وحد توحيده قوله عليه الصلاة والسلام :" وهم يدٌ على من سواهم " لاتفاق كلمتهم، وأنهم كشيء واحد لفرط تضامهم وتوافقهم ومعنى كون الآلهة عوناً عليهم : أنهم وقود النار وحَصَبُ جهنم، ولأنهم عذبوا بسبب عبادتها وإن رجعت الواو في سيكفرون ويكونون إلى المشركين، فإن المعنى : ويكونون عليهم - أي أعداءهم - ضداً، أي : كفرة بهم، بعد أن كانوا يعبدونها.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى