تأويلات أهل السنة — أبو منصور المَاتُرِيدي

عن الكتاب

بسم الله الرحمن الرحيم

الآية ١ قوله تعالى :﴿الذين كفروا وصدّوا عن سبيل الله﴾ قال عامة أهل التأويل : هم أهل مكة. والأشبه أن تكون الآية في كفار المدينة، وهم أهل الكتاب لأن السورة مدنية على ما قال بعض أهل التأويل.
لكن جائز أن تكون كما قال أهل التأويل : إنها نزلت في كفار مكة لأن هذه السورة ذُكرت على إثر خبر لهم وعُقيْب نبئِهم في سورة الأحقاف.
ثم [ إنْ ](١) كانت الآية في كفار المدينة وأهل الكتاب فيكون قوله تعالى :﴿الذين كفروا﴾ بمحمد ﷺ وبما أُنزل عليه ﴿أضلّ أعمالهم﴾ أي أبطل إيمانهم الذي كان لهم بسائر الأنبياء وبمحمد ﷺ لأنهم كانوا مؤمنين به قبل أن يُبعث. فلما بُعث كفروا به. يقول، والله أعلم : قد أبطل إيمانهم الذي كان منهم قبل ذلك بما كفروا به إذ بُعث.
وإن كانت الآية في كفار مكة على ما قال أكثرهم فيكون قوله تعالى :﴿الذين كفروا﴾ بوحدانية الله تعالى، وكفروا بمحمد ﷺ وبما أُنزل عليه عليه السلام أو كفروا بالبعث ونحو ذلك ﴿أضل أعمالهم﴾ أي أبطل حسناتهم التي كانت لهم في حال كفرهم من نحو الصدقات وصلة الأرحام وفكّ الرقاب وغير ذلك من الأعمال التي كانوا يتقرّبون بها، والله أعلم.
قد أبطل أعمالهم التي كانوا يتقرّبون بها، ويرونها قربة عند الله، أو يقول : قد أبطل عبادتهم التي كانوا يعبدون من الأصنام وغيرها لتُقرّبهم عبادتهم إلى الله زلفى بقولهم :﴿ما نعبدهم إلا ليقرّبونا إلى الله زلفى﴾ [الزمر: ٣] وقولهم :﴿هؤلاء شفعاؤنا عند الله﴾ [يونس: ١٨]. يقول : قد أبطل ذلك، ولم يكن على ما رجوا، وطمعوا، والله أعلم.
وقوله تعالى :﴿وصدّوا عن سبيل الله﴾ يحتمل أي صدّوا بأنفسهم أي أعرضوا عن سبيل الله ما ذكر عنهم.
ويحتمل ﴿وصدّوا عن سبيل الله﴾ أي صدوا الناس عن سبيل الله. وقد كان منهم الأمران جميعا ﴿أضل أعمالهم﴾ أي أبطل ؛ يقال : ضل الماء في اللبن إذا غُلب، فلم يُتبيّن.
١ من م، ساقطة من الأصل..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى