الجواهر الحسان في تفسير القرآن — الثعالبي

عن الكتاب
وقوله عز وجل :﴿وَيَقُولُ الذين آمَنُواْ لَوْلاَ نُزِّلَتْ سُورَةٌ﴾ الآية : هذا ابتداءُ وَصْفِ حالِ المؤمنينَ ؛ على جهة المَدْحِ لهم، ووصفِ حالِ المنافقين ؛ على جهة الذَّمِّ ؛ وذلك أَنَّ المؤمنين كان حرصهم على الدين يبعثهم على تَمَنِّي ظهور الإسلامِ وتمنِّي قتال العدوِّ، وكانوا يأنسونَ بالوحي، ويستوحشون إذا أبطأ، وكان المنافقون على العكس من ذلك.
وقوله :﴿مُّحْكَمَةٌ﴾ معناه : لا يقعُ فيها نسخ، وأَمَّا الإحكام الذي هو الإتقان، فالقرآن كلُّه سواءٌ فيه، والمرض الذي في قلوب المنافقين هو فَسَادُ مُعْتَقَدِهِمْ، ونظر الخائف المولَّه قريبٌ من نظر المَغْشِيِّ عليه، وَخَسَّسَهُمْ هذا الوصف والتشبيه.
وقوله تعالى :﴿فأولى لَهُمْ * طَاعَةٌ﴾ ( أولى ) : وزنها أَفْعَلُ، من وَلِيَكَ الشَّيْءُ يَلِيكَ، والمشهورُ من استعمال أولى أَنَّك تقول : هذا أولى بك من هذا، أي : أَحَقُّ، وقد تَسْتَعْمِلُ العرب أولى لكِ فقطْ على جهة الاختصار، لما معها من القول على جهة الزَّجْرِ والتَّوَعُّدِ، فتقول : أولى لَكَ يا فُلاَنُ، وهذه الآية من هذا الباب ؛ ومنه قوله تعالى :﴿أولى لَكَ فأولى﴾ [القيامة: ٣٤] وقالت فرقة :﴿فأولى﴾ رُفِعَ بالابتداء، و﴿طَاعَةٌ﴾ خبره، قال ( ع ) : وهذا هو المشهورُ منِ استعمال أولى، وقيل غير هذا، قال أبو حيَّان : قال صاحب «الصِّحَاحِ » :﴿أولى لَكَ﴾ : تهديدٌ ووعيدٌ، قال أبو حَيَّان : والأكثر على أَنَّه اسم مُشْتَقٌّ من الوَلي، وهو القُرْبُ، وقال الجُرْجَانِيُّ : هو مأخوذ من الوَيْلِ، فَقُلِبَ، فوزنه أَفْلَعْ، انتهى.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى