زاد المسير في علم التفسير — ابن الجوزي

عن الكتاب
قوله تعالى :﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُواْ لَوْلاَ نُزّلَتْ سُورَةٌ﴾ قال المفسرون : سألوا ربهم أن ينزل سورة فيها ثواب القتال في سبيل الله، اشتياقا منهم إلى الوحي وحرصا على الجهاد، فقالوا ﴿لَوْلاَ﴾ أي : هلا ؛ وكان أبو مالك الأشجعي يقول :" لا " هاهنا صلة، فالمعنى : لو أنزلت سورة، شوقا منهم إلى الزيادة في العلم، ورغبة في الثواب والأجر بالاستكثار من الفرائض.
وفي معنى ﴿مُّحْكَمَةٌ﴾ ثلاثة أقوال :
أحدها : أنها التي يذكر فيها القتال، قاله قتادة.
والثاني : أنها التي يُذكر فيها الحلال والحرام.
والثالث : التي لا منسوخ فيها، حكاهما أبو سليمان الدمشقي.
ومعنى قوله :﴿وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتَالُ﴾ أي : فرض فيها الجهاد.
وفي المراد بالمرض قولان :
أحدهما : النفاق، قاله ابن عباس، والحسن، ومجاهد، والجمهور.
والثاني : الشك، قاله مقاتل.
قوله تعالى :﴿يَنظُرُونَ إِلَيْكَ﴾ أي : يشخصون نحوك بأبصارهم ينظرون نظرا شديدا كما ينظر الشاخص ببصره عند الموت، لأنهم يكرهون القتال، ويخافون إن قعدوا أن يتبين نفاقهم.
﴿فَأَوْلَى لَهُمْ﴾ قال الأصمعي : معنى قولهم في التهديد :" أولى لك " أي : وليك وقاربك ما تكره. وقال ابن قتيبة : هذا وعيد وتهديد، تقول للرجل -إذا أردت به سوءا، ففاتك- أولى لك، ثم ابتدأ، فقال :﴿طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَّعْرُوفٌ. . .﴾ وقال سيبويه، والخليل : المعنى : طاعة وقول معروف أمثل. وقال الفراء : الطاعة معروفة في كلام العرب، إذا قيل لهم : افعلوا كذلك، قالوا : سمع وطاعة، فوصف الله قولهم قبل أن تنزل السورة أنهم يقولون : سمع وطاعة، فإذا نزل الأمر كرهوا. وأخبرني حبان عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس قال : قال الله تعالى :﴿فَأَوْلَى﴾ ثم قال :﴿لَهُمْ﴾ أي : للذين آمنوا منهم ﴿طَاعَةٌ﴾، فصارت " أولى " وعيدا لمن كرهها، واستأنف الطاعة ب ﴿لَهُمْ﴾ ؛ والأول عندنا كلام العرب، وهذا غير مردود، يعني حديث أبي صالح. وذكر بعض المفسرين أن الكلام متصل بما قبله ؛ والمعنى : فأولى لهم أن يطيعوا وأن يقولوا معروفا بالإجابة.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى