فتح البيان في مقاصد القرآن — صديق حسن خان

عن الكتاب
﴿إن الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله﴾ المراد بهؤلاء المنافقون، وقيل : أهل الكتاب، وقيل : هم المطمعون يوم بدر من المشركين، وقيل : نزلت في قريظة والنضير، ومعنى صدهم منعهم للناس عن الإسلام، واتباع الرسول ﷺ ﴿وشاقوا الرسول﴾ أي عادوه وخالفوه ﴿من بعد ما تبين لهم الهدى﴾ أي علموا أنه ﷺ نبي من عند الله سبحانه وتعالى، بما شاهدوا من المعجزات الواضحة، والحجج القاطعة ﴿لن يضروا الله﴾ ورسوله ﴿شيئا﴾ بتركهم الإيمان، وإصرارهم على الكفر، وما ضروا إلا أنفسهم.
﴿وسيحبط أعمالهم﴾ أي يبطلها، والمراد بهذه الأعمال ما صورته صورة أعمال الخير، كإطعام الطعام، وصلة الأرحام، وسائر ما كانوا يفعلونه من الخير، وإن كانت باطلة من الأصل، لأن الكفر مانع، وقيل : المراد بالأعمال المكايد التي نصبوها لإبطال دين الله والغوائل التي كانوا يبغونها برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ثم أمر سبحانه عباده المؤمنين بطاعته وطاعة رسوله ﷺ فقال :﴿يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول﴾ فيما أمرتم به من الشرائع المذكورة في كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ، ثم نهاهم عن أن يبطلوا أعمالهم كما أبطلت الكفار أعمالهم بالإصرار على الكفر، فقال :
﴿ولا تبطلوا أعمالكم﴾ قال الحسن : أي لا تبطلوا حسناتكم بالمعاصي، وقال الزهري : بالكبائر وهو الأولى، وقال الكلبي وابن جريج : بالرياء والسمعة، وقال مقاتل : بالمن، وقال عطاء : بالنفاق والشرك، قلت : والظاهر النهي عن كل سبب من الأسباب التي توصل إلى بطلان الأعمال، كائنا ما كان، من غير تخصيص بنوع معين، عن أبي العالية قال : كان أصحاب رسول الله ﷺ يرون أنه لا يضر مع لا إله إلا الله ذنب، كما لا ينفع مع الشرك عمل، حتى نزلت هذه الآية، فخافوا أن يبطل الذنب العمل، وفي لفظ فخافوا الكبائر أن تحبط أعمالهم.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى