التيسير في أحاديث التفسير — المكي الناصري

عن الكتاب
الربع الأخير من الحزب السابع والخمسين
يتحدث كتاب الله عن الرسالة الأولى التي كلف الله بها رسوله نوحا عليه السلام، وما دعاهم إليه من عبادة الله وتقواه، وما حضهم عليه من طاعة الله ورسوله لنيل غفرانه ورضاه، وما حذرهم منه من حلول الأجل وهم غافلون، وحلول النقمة وهم مستكبرون، وذلك ما يشير إليه قوله تعالى :﴿بسم الله الرحمان الرحيم إنا أرسلنا نوحا إلى قومه أن أنذر قومك من قبل أن يأتيهم عذاب أليم١ قال يا قوم إني لكم نذير مبين٢ أن اعبدوا الله واتقوه وأطيعون٣ يغفر لكم من ذنوبكم ويؤخركم إلى أجل مسمى إن أجل الله إذا جاء لا يؤخر لو كنتم تعلمون٤﴾،
ففي هذه الآية يؤكد كتاب الله لرسوله والمؤمنين والناس أجمعين، أن مصدر الرسالة، ومنبعها الأول والأخير، كان ولا يزال في جميع العهود، وبالنسبة لجميع الأنبياء والرسل، من عهد نوح عليه السلام إلى عهد سيدنا محمد خاتم النبيئين والمرسلين، هو الله تعالى خالق الخلق ومصدر الوجود، فهو الذي خلق الخلق وأرسل إليهم الرسل، لهدايتهم إلى سواء السبيل، وهو الذي كلف رسله جميعا بالدعوة إلى عبادة الله وتقواه، وإلى طاعة رسله فيما يبلغونه عن الله :﴿أن اعبدوا الله واتقوه وأطيعون﴾، لكن قوم نوح لم تزدهم دعوة رسولهم إلا عنادا واستكبارا، ولم يزدهم إلحاحه على هدايتهم، وحرصه على إنقاذهم، إلا نفورا منه وفرارا، وأصروا على كفرهم إصرارا، رغما عن كل ما بذله نوح عليه السلام من محاولات طويلة ومضنية لإصلاح حالهم، وما عرض عليهم من وعد الله حينا ووعيده حينا، ورغما عما لفت أنظارهم إليه من دلائل القدرة الإلهية، وآثار الحكمة الربانية، في آفاق الكون الظاهرة، وآفاق النفس الباطنة، وإلى ذلك يشير قوله تعالى حكاية على لسان نوح عليه السلام :﴿قال رب إني دعوت قومي ليلا ونهارا٥ فلم يزدهم دعائي إلا فرارا٦وإني كلما دعوتهم لتغفر لهم جعلوا أصابعهم في آذانهم واستغشوا ثيابهم وأصروا واستكبروا استكبارا٧ ثم إني دعوتهم جهارا٨ ثم إني أعلنت لهم وأسررت لهم إسرارا٩ فقلت استغفروا ربكم إنه كان غفارا١٠ يرسل السماء عليكم مدرارا١١ ويمددكم بأموال وبنين ويجعل لكم جنات ويجعل لكم أنهارا١٢ ما لكم لا ترجون لله وقارا١٣ وقد خلقكم أطوارا١٤ ألم تروا كيف خلق الله سبع سماوات طباقا١٥ وجعل القمر فيهن نورا وجعل الشمس سراجا١٦ والله أنبتكم من الأرض نباتا١٧ثم يعيدكم فيها ويخرجكم إخراجا١٨ والله جعل لكم الأرض بساطا١٩ لتسلكوا منها سبلا فجاجا٢٠﴾.
ومما يجب التنبيه إليه في هذا المقام أن " أسلوب الدعوة " الذي حكاه كتاب الله عن نوح عليه السلام لا يختلف في شيء عن أسلوب الدعوة الذي استعمله خاتم النبيين والمرسلين صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، كما أن الحجج والبراهين الكونية والنفسية التي كان نوح يقارع بها قومه هي نفس الحجج والبراهين التي واجه بها رسول الله مشركي قريش ومن لف لفهم، وسلك طريقهم، مما يوضح لكل ذي عينين أن طبيعة الرسالة الإلهية واحدة، وأن مصدر الوحي الإلهي واحد، وأن الشبه التي تعرض لقصار النظر، والضلالات التي يقعون فيها، على تباعد ما بين العصور والأجيال، هي شبه وضلالات متقاربة، إن لم تكن متماثلة في أغلب الأحيان، وكما أن الداء البشري واحد، فالدواء الإلهي واحد.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى