فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني

عن الكتاب
في انتصاب ﴿كَافَّةً﴾ وجوه، فقيل : إنه منتصب على الحال من الكاف في ﴿أرسلناك﴾ قال الزجاج : أي وما أرسلناك إلاّ جامعاً للناس بالإنذار والإبلاغ، والكافة بمعنى الجامع، والهاء فيه للمبالغة كعلامة. قال أبو حيان : أما قول الزجاج : إن كافّة بمعنى جامعاً، والهاء فيه للمبالغة، فإن اللغة لا تساعد عليه ؛ لأن كفّ ليس معناه جمع، بل معناه منع. يقال : كف يكف : أي منع يمنع. والمعنى : إلاّ مانعاً لهم من الكفر، ومنه الكفّ ؛ لأنها تمنع من خروج ما فيه. وقيل : إنه منتصب على المصدرية، والهاء للمبالغة كالعاقبة والعافية، والمراد : أنها صفة مصدر محذوف، أي إلاّ رسالة كافّة. وقيل : إنه حال من الناس، والتقدير : وما أرسلناك إلاّ للناس كافّة، وردّ بأنه لا يتقدّم الحال من المجرور عليه كما هو مقرّر في علم الإعراب. ويجاب عنه بأنه قد جوّز ذلك أبو عليّ الفارسيّ، وابن كيسان، وابن برهان، ومنه قول الشاعر :
إذا المرء أعيته السيادة ناشئافمطلبها كهلاً عليه عسير
وقول الآخر :
تسليت طرّاً عنكم بعد بينكمبذكراكم حتى كأنكم عندي
وقول الآخر :
غافلاً تعرض المنية للمرء فيدعى ولات حين إباء
وممن رجح كونها حالاً من المجرور بعدها ابن عطية، وقال : قدمت للاهتمام والتقوّي. وقيل المعنى : إلاّ ذا كافّة، أي ذا منع، فحذف المضاف. قيل واللام في ﴿لِلنَّاسِ﴾ بمعنى إلى، أي وما أرسلناك إلى الناس إلاّ جامعاً لهم بالإنذار والإبلاغ، أو مانعاً لهم من الكفر والمعاصي، وانتصاب ﴿بَشِيراً وَنَذِيراً﴾ على الحال، أي مبشراً لهم بالجنة، ومنذراً لهم من النار ﴿ولكن أَكْثَرَ الناس لاَ يَعْلَمُونَ﴾ ما عند الله، وما لهم من النفع في إرسال الرسل.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وقد أخرج ابن أبي شيبة، وابن المنذر عن مجاهد في قوله :﴿وَمَا أرسلناك إِلاَّ كَافَّةً لّلنَّاسِ﴾ قال : إلى الناس جميعاً. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن أبي حاتم عن قتادة قال : أرسل الله محمداً إلى العرب، والعجم، فأكرمهم على الله أطوعهم له. وأخرج هؤلاء عنه في قوله :﴿وَقَالَ الذين كَفَرُواْ لَن نُّؤْمِنَ بهذا القرءان﴾ قال : هذا قول مشركي العرب كفروا بالقرآن، وبالذي بين يديه من الكتب، والأنبياء.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى