الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي

عن الكتاب
قوله :﴿يَقْذِفُ بِالْحَقِّ﴾ : يجوزُ أَنْ يكونَ مفعولُه محذوفاً ؛ لأنَّ القَذْفَ في الأصلِ الرَّمْيُ. وعَبَّر به هنا عن الإِلقاءِ أي : يُلْقي الوحيَ إلى أنبيائِه بالحقِّ. أي : بسبب الحق، أو مُلْتَبِساً بالحقِّ. ويجوزُ أَنْ يكونَ التقديرُ : يَقْذِفُ الباطِلَ بالحقِّ أي : يَدْفَعُه ويَطْرَحُه به، كقوله :﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ﴾ [الأنبياء: ١٨]. ويجوزُ أَنْ تكونَ الباءُ زائدةً، أي : يُلقي الحقَّ كقوله :﴿وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٥]، أو يُضَمَّنُ " يقْذِفُ " معنى يَقْضي ويَحْكُمُ.
قوله :" عَلاَّمُ الغيوبِ " العامَّةُ على رفعه. وفيه أوجهٌ، أظهرُها : أنه خبرٌ ثانٍ ل " إنَّ "، أو خبرُ مبتدأ مُضْمرٍ، أو بدلٌ من الضمير في " يَقْذِفُ "، أو نعتٌ له على رأي الكسائي ؛ لأنه يُجيز نعتَ الضميرِ الغائبِ، وقد صَرَّح به هنا. وقال الزمخشريُّ :" رَفْعٌ على محلِّ " إنَّ " واسمِها، أو على المستكنِّ في " يَقْذِفُ ". قلتُ : يعني بقولِه :" محمولٌ على مَحَلِّ إنَّ واسمِها " يعني به النعتَ، إلاَّ أنَّ ذلك ليس مذهبَ البصريين، لم يَعْتبروا المحلَّ إلاَّ في العطفِ بالحرف بشروطٍ عند بعضِهم. ويريدُ بالحَمْل على الضمير في " يَقْذِفُ " أنَّه بدلٌ منه، لاَ أنه نعتٌ له ؛ لأنَّ ذلك انفرد به الكسائيُّ. وزيد بن علي وعيسى بن عمر وابن أبي إسحاق بالنصب نعتاً لاسم " إنَّ " أو بدلاً منه على قلةِ الإِبدالِ بالمشتق أو منصوبٌ على المدح.
وقرئ " الغيوبِ " بالحركاتِ الثلاثِ في الغين. فالكسرُ والضمُّ تقدَّما في " بيوت " وبابِه، وأمَّا الفتحُ فصيغةُ مبالغةٍ كالشَّكور والصَّبور، وهو الشيءُ الغائبُ الخفيُّ جداً.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى