المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز — ابن عطية

عن الكتاب
الضمير في ﴿يروا﴾ لهؤلاء ﴿الذين لا يؤمنون بالآخرة﴾ [سبأ: ٨] وقفهم الله تعالى على قدرته وخوفهم من إحاطتها بهم، المعنى أليس يرون أمامهم ووراءهم سمائي وأرضي لا سبيل لهم إلى فقد ذلك عن أبصارهم، ولا عدم إحاطته بهم، وقرأ الجمهور «إن نشأ نخسف » و «نسقط » بالنون في الثلاثة وقرأ حمزة والكسائي «إن يشأ يخسف بهم أو يسقط » بالياء في الثلاثة وهي قراءة ابن وثاب وابن مصرف والأعمش وعيسى واختارها أبو عبيد، و «خسف الأرض » هو إهواؤها بهم وتهورها وغرقهم فيها، و «الكسف » قيل هو مفرد اسم القطعة، وقيل هو جمع كسفه جمعها على حد تمرة وتمر ومشهور جمعها كسف كسدرة وسدر(١).
وأدغم الكسائي الفاء في الباء في قوله ﴿نخسف بهم﴾ قال أبو علي وذلك لا يجوز لأن الباء أضعف في الصوت من الفاء فلا تدغم فيها وإن كان الباء تدغم في الفاء كقوله اضرب فلاناً، وهذا كما تدغم الباء في الميم كقوله «اضرب محمداً » ولا تدغم الميم في الباء كقولك " اضمم بكراً "، لأن الباء انحطت عن الميم بفقد الغنة التي في الميم(٢).
والإشارة بقوله تعالى في ذلك إلى إحاطة السماء بالمرء ومماسة الأرض له على كل حال، و «المنيب » الراجع التائب.
١ في (اللسان-كسف):"كسف السحاب وكسفه: قطعه"، وفيه:"وقال الزجاج: قرئ:﴿أو تسقط السماء كما زعمت علينا كسفا﴾ و[كسفا]، فمن قرأ:[كسفا] جعلها جمع كسفة، وهي القطعة، ومن قرأ:[كسفا] جعله واحدا"..
٢ وقال الزمخشري:"وقرأ الكسائي:﴿نخسف بهم﴾ بالإدغام، وليست بقوية" ا هـ وعلق أبو حيان الأندلسي في البحر المحيط على كلام أبي علي المذكور هنا، وعلى كلام الزمخشري فقال:"والقراءة سنة متبعة، ويوجد فيها الفصيح والأفصح، وكل ذلك من تيسيره تعالى القرآن للذكر، فلا التفات لقول أبي علي ولا الزمخشري"..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى