زاد المسير في علم التفسير — ابن الجوزي
عن الكتاب
فأما سبب نزول أولها، فروى سعيد بن جبير عن ابن عباس أن قريشا شكوا رسول الله ﷺ إلى أبي طالب، فقال : يا ابن أخي، ما تريد من قومك ؟ فقال :( يا عم، إنما أريد منهم كلمة تذل لهم بها العرب وتؤدي إليهم الجزية بها العجم )، قال : كلمة ؟ قال :( كلمة واحدة )، قال : ما هي ؟ قال :( لا إله إلا الله )، فقالوا : أجعل الآلهة إلها واحدا ؟ ! فنزلت فيهم :﴿ص وَالْقُرْءانِ﴾ إلى قوله :﴿إِنْ هَذَا إِلاَّ اخْتِلاَقٌ﴾.
بسم الله الرحمن الرحيم ﴿ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾
واختلفوا في معنى ﴿ص﴾ على سبعة أقوال :
أحدها : أنه قسم أقسم الله به، وهو من أسمائه، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس.
والثاني : أنه بمعنى : صدق محمد، رواه عطاء عن ابن عباس.
والثالث : صدق الله، قاله الضحاك. وقد روي عن ابن عباس أنه قال : معناه صادق فيما وعد. وقال الزجاج : معناه : الصادق الله تعالى.
والرابع : أنه اسم من أسماء القرآن، أقسم الله به، قاله قتادة.
والخامس : أنه اسم حية رأسها تحت العرش وذنبها تحت الأرض السفلى، حكاه أبو سليمان الدمشقي، وقال : أظنه عن عكرمة.
والسادس : أنه بمعنى : حادث القرآن، أي : انظر فيه، قاله الحسن، وهذا على قراءة من كسروا، منهم ابن عباس، والحسن، وابن أبي عبلة. قال ابن جرير : فيكون المعنى : صادِ بعملك القرآن، أي : عارضه. وقيل : اعرضه على عملك، فانظر أين هو منه.
والسابع : أنه بمعنى : صاد محمد قلوب الخلق واستمالها حتى آمنوا به وأحبوه. حكاه الثعلبي، وهذا على قراءة من فتح، وهي قراءة أبي رجاء، وأبي الجوزاء، وحميد، ومحبوب عن أبي عمرو. قال الزجاج : والقراءة " صاد "، بتسكين الدال، لأنها من حروف التهجي. وقد قُرئت بالفتح وبالكسر ؛ فمن فتحها، فعلى ضربين :
أحدهما : لالتقاء الساكنين.
والثاني : على معنى : أتل " صاد "، ويكون صاد اسما للسورة لا ينصرف ؛ ومن كسر، فعلى ضربين :
أحدهما : لالتقاء الساكنين أيضا.
والثاني : على معنى : صاد القرآن بعملك، من قولك : صادى يُصادي. إذا قابل وعادل، يقال : صاديته : إذا قابلته.
قوله تعالى :﴿ذِي الذّكْرِ﴾ في المراد بالذكر ثلاثة أقوال :
أحدها : أنه الشرف، قاله ابن عباس، وسعيد بن جبير، والسدي.
والثاني : البيان، قاله قتادة.
والثالث : التذكير، قاله الضحاك.
فإن قيل : أين جواب القسم بقوله :﴿ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذّكْرِ﴾ ؟.
فعنه خمسة أجوبة :
أحدها : أن " ص " جواب لقوله :﴿وَالْقُرْآنِ﴾، ف ﴿ص﴾ في معناها، كقولك : وجب والله، نزل والله، حق والله، قاله الفراء، وثعلب.
والثاني : أن جواب " ص " قوله :﴿كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مّن قَرْنٍ﴾، ومعناه : لكم، فلما طال الكلام، حُذفت اللام، ومثله :﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾ ﴿قَدْ أَفْلَحَ﴾، [ الشمس/١ و٩ ]، فإن المعنى : لقد أفلح، غير أنه لما اعترض بينهما كلام، تبعه قوله :﴿قَدْ أَفْلَحَ﴾، حكاه الفراء، وثعلب أيضا.
والثالث : أنه قوله :﴿إِن كُلٌّ إِلاَّ كَذَّبَ الرٌّسُلَ﴾ [ص: ١٤]، حكاه الأخفش.
والرابع : أنه قوله :﴿إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ أَهْلِ النَّارِ﴾ [ص: ٦٤]، قاله الكسائي، وقال الفراء : لا نجده مستقيما في العربية، لتأخره جدا عن قوله :﴿وَالْقُرْآنِ﴾.
والخامس : أن جوابه محذوف، تقديره : والقرآن ذي الذكر ما الأمر كما يقول الكفار، ويدل على هذا المحذوف قوله ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُواْ فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ﴾ ذكره جماعة من المفسرين، وإلى نحوه ذهب قتادة. والعزة : الحمية والتكبر عن الحق. وقرأ عمرو بن العاص، وأبو رزين، وابن يعمر، وعاصم الجحدري، ومحبوب عن أبي عمرو :﴿فِي غرة﴾ بغين معجمة وراء غير معجمة. والشقاق : الخِلاف والعداوة لرسول الله ﷺ، وقد سبق بيان الكلمتين مشروحا [البقرة: ١٣٨، ٢٠٦].
فأما سبب نزول أولها، فروى سعيد بن جبير عن ابن عباس أن قريشا شكوا رسول الله ﷺ إلى أبي طالب، فقال : يا ابن أخي، ما تريد من قومك ؟ فقال :( يا عم، إنما أريد منهم كلمة تذل لهم بها العرب وتؤدي إليهم الجزية بها العجم )، قال : كلمة ؟ قال :( كلمة واحدة )، قال : ما هي ؟ قال :( لا إله إلا الله )، فقالوا : أجعل الآلهة إلها واحدا ؟ ! فنزلت فيهم :﴿ص وَالْقُرْءانِ﴾ إلى قوله :﴿إِنْ هَذَا إِلاَّ اخْتِلاَقٌ﴾.
بسم الله الرحمن الرحيم ﴿ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾
واختلفوا في معنى ﴿ص﴾ على سبعة أقوال :
أحدها : أنه قسم أقسم الله به، وهو من أسمائه، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس.
والثاني : أنه بمعنى : صدق محمد، رواه عطاء عن ابن عباس.
والثالث : صدق الله، قاله الضحاك. وقد روي عن ابن عباس أنه قال : معناه صادق فيما وعد. وقال الزجاج : معناه : الصادق الله تعالى.
والرابع : أنه اسم من أسماء القرآن، أقسم الله به، قاله قتادة.
والخامس : أنه اسم حية رأسها تحت العرش وذنبها تحت الأرض السفلى، حكاه أبو سليمان الدمشقي، وقال : أظنه عن عكرمة.
والسادس : أنه بمعنى : حادث القرآن، أي : انظر فيه، قاله الحسن، وهذا على قراءة من كسروا، منهم ابن عباس، والحسن، وابن أبي عبلة. قال ابن جرير : فيكون المعنى : صادِ بعملك القرآن، أي : عارضه. وقيل : اعرضه على عملك، فانظر أين هو منه.
والسابع : أنه بمعنى : صاد محمد قلوب الخلق واستمالها حتى آمنوا به وأحبوه. حكاه الثعلبي، وهذا على قراءة من فتح، وهي قراءة أبي رجاء، وأبي الجوزاء، وحميد، ومحبوب عن أبي عمرو. قال الزجاج : والقراءة " صاد "، بتسكين الدال، لأنها من حروف التهجي. وقد قُرئت بالفتح وبالكسر ؛ فمن فتحها، فعلى ضربين :
أحدهما : لالتقاء الساكنين.
والثاني : على معنى : أتل " صاد "، ويكون صاد اسما للسورة لا ينصرف ؛ ومن كسر، فعلى ضربين :
أحدهما : لالتقاء الساكنين أيضا.
والثاني : على معنى : صاد القرآن بعملك، من قولك : صادى يُصادي. إذا قابل وعادل، يقال : صاديته : إذا قابلته.
قوله تعالى :﴿ذِي الذّكْرِ﴾ في المراد بالذكر ثلاثة أقوال :
أحدها : أنه الشرف، قاله ابن عباس، وسعيد بن جبير، والسدي.
والثاني : البيان، قاله قتادة.
والثالث : التذكير، قاله الضحاك.
فإن قيل : أين جواب القسم بقوله :﴿ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذّكْرِ﴾ ؟.
فعنه خمسة أجوبة :
أحدها : أن " ص " جواب لقوله :﴿وَالْقُرْآنِ﴾، ف ﴿ص﴾ في معناها، كقولك : وجب والله، نزل والله، حق والله، قاله الفراء، وثعلب.
والثاني : أن جواب " ص " قوله :﴿كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مّن قَرْنٍ﴾، ومعناه : لكم، فلما طال الكلام، حُذفت اللام، ومثله :﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾ ﴿قَدْ أَفْلَحَ﴾، [ الشمس/١ و٩ ]، فإن المعنى : لقد أفلح، غير أنه لما اعترض بينهما كلام، تبعه قوله :﴿قَدْ أَفْلَحَ﴾، حكاه الفراء، وثعلب أيضا.
والثالث : أنه قوله :﴿إِن كُلٌّ إِلاَّ كَذَّبَ الرٌّسُلَ﴾ [ص: ١٤]، حكاه الأخفش.
والرابع : أنه قوله :﴿إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ أَهْلِ النَّارِ﴾ [ص: ٦٤]، قاله الكسائي، وقال الفراء : لا نجده مستقيما في العربية، لتأخره جدا عن قوله :﴿وَالْقُرْآنِ﴾.
والخامس : أن جوابه محذوف، تقديره : والقرآن ذي الذكر ما الأمر كما يقول الكفار، ويدل على هذا المحذوف قوله ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُواْ فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ﴾ ذكره جماعة من المفسرين، وإلى نحوه ذهب قتادة. والعزة : الحمية والتكبر عن الحق. وقرأ عمرو بن العاص، وأبو رزين، وابن يعمر، وعاصم الجحدري، ومحبوب عن أبي عمرو :﴿فِي غرة﴾ بغين معجمة وراء غير معجمة. والشقاق : الخِلاف والعداوة لرسول الله ﷺ، وقد سبق بيان الكلمتين مشروحا [البقرة: ١٣٨، ٢٠٦].
فأما سبب نزول أولها، فروى سعيد بن جبير عن ابن عباس أن قريشا شكوا رسول الله ﷺ إلى أبي طالب، فقال : يا ابن أخي، ما تريد من قومك ؟ فقال :( يا عم، إنما أريد منهم كلمة تذل لهم بها العرب وتؤدي إليهم الجزية بها العجم )، قال : كلمة ؟ قال :( كلمة واحدة )، قال : ما هي ؟ قال :( لا إله إلا الله )، فقالوا : أجعل الآلهة إلها واحدا ؟ ! فنزلت فيهم :﴿ص وَالْقُرْءانِ﴾ إلى قوله :﴿إِنْ هَذَا إِلاَّ اخْتِلاَقٌ﴾.