البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي

عن الكتاب
تسور الحائط والسور وتسنمه والبعير : علا أعلاه.
والسور : حائط المدينة، وهو غير مهموز.
﴿وهل أتاك نبؤ الخصم﴾ : لما أنثى تعالى على داود عليه السلام بما أثنى، ذكر قصته هذه، ليعلم أن مثل قصته لا يقدح في الثناء عليه والتعظيم لقدره، وإن تضمنت استغفاره ربه، وليس في الاستغفار ما يشعر بارتكاب أمر يستغفر منه، وما زال الاستغفار شعار الأنبياء المشهود لهم بالعصمة.
ومجيء مثل هذا الاستفهام إنما يكون لغرابة ما يجيء معه من القصص، كقوله :﴿وهل أتاك حديث موسى﴾ فيتهيأ المخاطب بهذا الإستفهام لما يأتي بعده ويصغي لذلك.
وذكر المفسرون في هذه القصة أشياء لا تناسب مناصب الأنبياء، ضربنا عن ذكرها صفحاً، وتكلمنا على ألفاظ الآية.
والنبأ : الخبر، فالخبر أصله مصدر، فلذلك تصلح للمفرد والمذكر وفروعهما، وهنا جاء للجمع، ولذلك قال :﴿إذ تسورو﴾ : إذ دخلوا، كما قال الشاعر :
وخصم يعدون الدخول كأنهمقروم غيارى كل أزهر مصعب
والظاهر أنهم كانوا جماعة، فلذلك أتى بضمير الجمع.
فإن كان المتحاكمان اثنين، فيكون قد جاء معهم غيرهم على جهة المعاضدة أو المؤانسة، ولا خلاف أنهم كانوا ملائكة، كذا قال بعضهم.
وقيل : كانا أخوين من بني إسرائيل لأب وأم، والأول أشهر.
وقيل : الخصم هنا اثنان، وتجوز في العبارة فأخبر عنهما أخبار ما زاد على اثنين، لأن معنى الجمع في التثنية.
وقيل : معنى خصمان : فريقان، فيكون تسوروا ودخلوا عائداً على الخصم الذي هو جمع الفريقين، ويدل على أن خصمان بمعنى فريقان قراءة من قرأ : بغى بعضهم على بعض.
وقال تعالى :﴿هذا خصمان اختصموا في ربهم﴾ بمعنى : فأما إن هذا أخي.
وما روي أنه بعث إليه ملكان، فالمعنى : أن التحاكم كان بين اثنين، ولا يمتنع أن يصحبهما غيرهما.
وأطلق على الجميع خصم، وعلى الفريقين خصمان، لأن من جاء مع متخاصم لمعاضدة فهو في سورة خصم، ولا يبعد أن تطلق عليه التسمية، والعامل في الظرف، وهو إذ أتاك، قاله الحوفي ورد بأن إتيان النبأ رسول الله ﷺ لا يقع إلا في عهده، لا في عهد داود.
وقال ابن عطية، وأبو البقاء : العامل فيه نبأ ورد بما رد به ما قبله أن النبأ الواقع في عهد داود عليه السلام لا يصح إتيانه رسول الله ﷺ.
وإذا أردت بالنبأ القصة في نفسها، لم يكن ناصباً.
وقيل : العامل فيه محذوف تقديره : وهل أتاك تخاصم الخصم ؟ قاله الزمخشري.
ويجوز أن ينتصب بالخصم، لما فيه من معنى الفعل.
وإذ دخلوا بدل من إذ الأولى ؛ وقيل : ينتصب بتسوروا.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى