زاد المسير في علم التفسير — ابن الجوزي

عن الكتاب
قوله تعالى :﴿وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأ الْخَصْمِ﴾ قال أبو سليمان : المعنى : قد أتاك فاستمع له نقصص عليك.
واختلف العلماء في السبب الذي امتُحن لأجله داود عليه السلام بما امتُحن به، على خمسة أقوال :
أحدها : أنه قال : يا رب قد أعطيت إبراهيم وإسحاق ويعقوب من الذكر ما لو وددت أنك أعطيتني مثله، فقال الله تعالى : إني ابتليتهم بما لم أبتلك به، فإن شئت ابتليتك بمثل ما ابتليتهم به وأعطيتك كما أعطيتهم ؟ قال : نعم، فبينما هو في محرابه إذ وقعت عليه حمامة، فأراد أن يأخذها فطارت، فذهب ليأخذها، فرأى امرأة تغتسل، رواه العوفي عن ابن عباس، وبه قال السدي.
والثاني : أنه مازال يجتهد في العبادة حتى برز له قرناؤه من الملائكة وكانوا يصلون معه ويسعدونه بالبكاء، فلما استأنس بهم، قال : أخبروني بأي شيء أنتم موكلون ؟ قالوا : ما نكتب عليك ذنبا، بل نكتب صالح عملك ونثبتك ونوفقك ونصرف عنك السوء، فقال في نفسه : ليت شعري، كيف أكون لو خلّوني ونفسي ؛ وتمنى أن يُخلى بينه وبين نفسه ليعلم كيف يكون، فأمر الله تعالى قُرناءه أن يعتزلوه ليعلم أنه لا غناء به عن الله عز وجل، فلما فقدهم، جدّ واجتهد ضِعف عبادته إلى أن ظن أنه قد غلب نفسه، فأراد الله تعالى أن يُعرِّفه ضَعْفَهُ، فأرسل إليه طائرا من طيور الجنة، فسقط في محرابه، فقطع صلاته ومد يده إليه، فتنّحى عن مكانه، فأتبعه بصره، فإذا امرأة أوريا، هذا قول وهب بن منبه.
والثالث : أنه تذاكر هو وبنو إسرائيل، فقالوا : هل يأتي على الإنسان يوم لا يصيب فيه ذنبا ؟ فأضمر داود في نفسه أنه سيطيق ذلك، فلما كان يوم عبادته، أغلق أبوابه وأمر أن لا يدخل عليه أحد وأكب على قراءة الزبور، فإذا حمامة من ذهب، فأهوى إليها فطارت، فتبعها فرأى المرأة، رواه مطر عن الحسن.
والرابع : أنه قال لبني إسرائيل حين ملك : والله لأعدلن بينكم، ولم يستثن، فابتلي، رواه قتادة عن الحسن.
والخامس : أنه أعجبه كثرة عمله، فابتُلي، قاله أبو بكر الورّاق.
الإشارة إلى قصة ابتلائه :
قد ذكرنا عن وهب أنه قال : كانت الحمامة من طيور الجنة. وقال السدي : تصور له الشيطان في صورة حمامة. قال المفسرون : إنه لما تبع الحمامة، رأى امرأة في بستان على شط بركة لها تغتسل، وقيل : بل على سطح لها، فعجب من حسنها، فحانت منها التفاته فرأت ظله، فنقضت شعرها، فغطّى بدنها، فزاده ذلك إعجابا بها، فسأل عنها، فقيل : هذه امرأة أوريا، وزوجها في غزاة، فكتب داود إلى أمير ذلك الجيش أن ابعث أوريا إلى موضع كذا وكذا، وقدِمّه قبل التابوت، وكان من قُدّم على التابوت لا يحل له أن يرجع حتى يُفتح عليه أو يستشهد، ففعل ذلك، ففتح عليه، فكتب إلى داود يخبره، فكتب إليه أن ابعثه إلى عدو كذا وكذا، ففُتح له، فكتب إليه أن ابعثه إلى عدو كذا وكذا، فقُتل في المرة الثالثة، فلما انقضت عِدة المرأة تزوجها داود، فهي أم سليمان، فلما دخل بها، لم يلبث إلا يسيرا حتى بعث الله عز وجل ملكين في صورة إنسيين، وقيل : لم يأته الملكان حتى جاء منها سليمان وشبّ، ثم أتياه فوجداه في محراب عبادته، فمنعهما الحرس من الدخول إليه، فتسوروا المحراب عليه ؛ وعلى هذا الذي ذكرناه من القصة أكثر المفسرين، وقد روى نحوه العوفي عن ابن عباس، وروي عن الحسن، وقتادة، والسدي، ومقاتل في آخرين. وذكر جماعة من المفسرين أن داود لما نظر إلى المرأة، سأل عنها، وبعث زوجها إلى الغزاة مرة بعد مرة إلى أن قُتل، فتزوجها ؛ وروي مِثل هذا عن ابن عباس، ووهب، والحسن في جماعة. قال المصنف : وهذا لا يصح من طريق النقل، ولا يجوز من حيث المعنى، لأن الأنبياء منزّهون عنه.
وقد اختلف المحققون في ذنبه الذي عُوتب عليه على أربعة أقوال :
أحدها : أنه لما هويها، قال لزوجها : تحوّل لي عنها، فعُوتب على ذلك. وقد روى سعيد بن جبير عن ابن عباس قال : ما زاد داود على أن قال لصاحب المرأة : أكفلنيها وتحوّل لي عنها ؛ ونحو ذلك روي عن ابن مسعود. وقد حكى أبو سليمان الدمشقي أنه بعث إلى أوريا فأقدمه من غَزاته، فأدناه وأكرمه جدا، إلى أن قال له يوما : انزل لي عن امرأتك ؛ وانظر أيّ امرأة شئت في بني إسرائيل أزوجكها، أو أيّ أمة شئت أبتاعها لك، فقال : لا أريد بامرأتي بديلا ؛ فلما لم يجبه إلى ما سأل، أمره أن يرجع إلى غزاته.
والثاني : أنه تمنى تلك المرأة حلالا، وحدث نفسه بذلك، فاتفق غزو أوريا وهلاكه من غير أن يسعى في سبب قتله ولا في تعريضه للهلاك، فلمّا بلغة قتله، لم يجزع عليه كما جزع على غيره من جنده، ثم تزوج امرأته، فعُوتب على ذلك. وذنوب الأنبياء عليهم السلام وإن صغرت، فهي عظيمة عند الله عز وجل.
والثالث : أنه لما وقع بصره عليها، أشبع النظر إليها حتى علقت بقلبه.
والرابع : أن أوريا كان قد خطب تلك المرأة، فخطبها داود مع علمه بأن أوريا قد خطبها، فتزوجها، فاغتمّ أوريا، وعاتب الله تعالى داود إذ لم يتركها لخاطبها الأول ؛ واختار القاضي أبو يعلى هذا القول، واستدل عليه بقوله :﴿وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ﴾، قال : فدلّ هذا على أن الكلام إنما كان بينهما في الخطبة، ولم يكن قد تقدم تزوج الآخر، فعُوتب داود عليه السلام لشيئين ينبغي للأنبياء التنزه عنهما، أحدهما : خِطبته على خطبته غيره، والثاني : إظهار الحِرص على التزويج مع كثرة نسائه، ولم يعتقد ذلك معصية، فعاتبه الله تعالى عليها ؛ قال : فأما ما روي أنه نظر إلى المرأة فهويها، وقدم زوجها للقتل، فإنه وجه لا يجوز على الأنبياء، لأن الأنبياء لا يأتون المعاصي مع العلم بها.
قال الزجاج : إنما قال :﴿الْخَصْمِ﴾ بلفظ الواحد، وقال :﴿تَسَوَّرُواْ الْمِحْرَابَ﴾ بلفظ الجماعة، لأن قولك : خصم، يصلح للواحد والاثنين والجماعة، والذكر والأنثى، تقول : هذا خصم، وهي خصم، وهما خصم، وهم خصم ؛ وإنما يصلح لجميع ذلك لأنه مصدر، تقول : خصمته أخصمه خصما. والمحراب هاهنا كالغرفة، قال الشاعر :
ربة محراب إذا جئتهالم ألقها أو أرتقي سلما
و﴿تَسَوَّرُواْ﴾ يدل على علو. قال المفسرون : كانا ملكين، وقيل : هما جبريل وميكائيل عليهما السلام، أتياه لينبهاه على التوبة. وإنما قال :﴿تَسَوَّرُواْ﴾ وهما اثنان، لأن معنى الجمع ضم شيء إلى شيء، والاثنان فما فوقهما جماعة.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى