فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني
عن الكتاب
﴿فَسَجَدَ الملائكة﴾ في الكلام حذف تدلّ عليه الفاء، والتقدير : فخلقه، فسوّاه، ونفخ فيه من روحه، فسجد له الملائكة. وقوله :﴿كُلُّهُمْ﴾ يفيد أنهم سجدوا جميعاً، ولم يبق منهم أحد. وقوله :﴿أَجْمَعُونَ﴾ يفيد أنهم اجتمعوا على السجود في وقت واحد، فالأوّل : لقصد الإحاطة، والثاني : لقصد الاجتماع. قال في الكشاف : فأفادا معاً أنهم سجدوا عن آخرهم ما بقي منهم ملك إلا سجد، وأنهم سجدوا جميعاً في وقت واحد غير متفرّقين في أوقات. وقيل : إنه أكد بتأكيدين للمبالغة في التعميم.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: وقد أخرج ابن مردويه عن ابن عباس ﴿إِذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ أن الخصومة هي ﴿إِذْ قَالَ رَبُّكَ﴾ إلخ. وأخرج ابن جرير، وأبو الشيخ في العظمة، والبيهقي عن ابن عمر قال : خلق الله أربعاً بيده : العرش، وجنة عدن، والقلم، وآدم. وأخرج ابن أبي الدنيا في صفة الجنة، وأبو الشيخ في العظمة، والبيهقي في الأسماء والصفات عن عبد الله بن الحارث قال : قال رسول الله ﷺ :«خلق الله ثلاثة أشياء بيده : خلق آدم بيده، وكتب التوراة بيده، وغرس الفردوس بيده»، وأخرج سعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر عن مجاهد في قوله :﴿فالحق والحق أَقُولُ﴾ قال : أنا الحق أقول الحق. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله :﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ﴾ قال : قل يا محمد ﴿مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ﴾ ما أدعوكم إليه ﴿مِنْ أَجْرٍ﴾ عرض دنيا. وفي البخاري ومسلم وغيرهما عن مسروق قال : بينما رجل يحدّث في المسجد، فقال فيما يقول :﴿يَوْمَ تَأْتِى السماء بِدُخَانٍ مُّبِينٍ﴾ [الدخان: ١٠] قال : دخان يكون يوم القيامة يأخذ بأسماع المنافقين وأبصارهم، ويأخذ المؤمنين كهيئة الزكام، قال : قمنا حتى دخلنا على عبد الله، وهو في بيته، وكان متكئاً، فاستوى قاعداً، فقال : يا أيها الناس من علم منكم علماً، فليقل به، ومن لم يعلم، فليقل الله أعلم، فإن من العلم أن يقول العالم لما لا يعلم : الله أعلم، قال الله تعالى لرسوله ﷺ :﴿قُلْ مَا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ المتكلفين﴾. وأخرج البخاري عن عمر قال : نهينا عن التكلف. وأخرج الطبراني، والحاكم، والبيهقي عن سلمان قال : نهانا رسول الله أن نتكلف للضيف.