جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري
عن الكتابالقول في تأويل قوله تعالى :﴿قَالَ فَالْحَقّ وَالْحَقّ أَقُولُ﴾ :
اختلفت القرّاء في قراءة قوله :( قالَ فالحَقّ والحَقّ أقُولُ ) : فقرأه بعض أهل الحجاز وعامة الكوفيين برفع الحقّ الأوّل، ونصب الثاني. وفي رفع الحقّ الأوّل إذا قُرىء كذلك وجهان : أحدهما رفعه بضمير لله الحقّ، أو أنا الحقّ وأقول الحقّ. والثاني : أن يكون مرفوعا بتأويل قوله : لأملأن فيكون معنى الكلام حينئذٍ : فالحقّ أن أملأ جهنم منك، كما يقول : عزمة صادقة لآتينك، فرفع عزمة بتأويل لاَتينك، لأن تأويله أن آتيك، كما قال : ثُمّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ ما رَأَوُا الآيات لَيَسْجُنُنّهُ فلا بدّ لقوله : بَدَا لَهُمْ من مرفوع، وهو مضمر في المعنى. وقرأ ذلك عامة قرّاء المدينة والبصرة وبعض المكيين والكوفيين بنصب الحقّ الأوّل والثاني كليهما، بمعنى : حقا لأملأن جهنم والحقّ أقول، ثم أدخلت الألف واللام عليه، وهو منصوب، لأن دخولهما إذا كان كذلك معنى الكلام وخروجهما منه سواء، كما سواء قولهم : حمدا لله، والحمد لله عندهم إذا نصب. وقد يحتمل أن يكون نصبه على وجه الإغراء بمعنى : الزموا الحقّ، واتبعوا الحقّ، والأوّل أشبه لأن خطاب من الله لإبليس بما هو فاعل به وبتُبّاعه. وأولى الأقوال في ذلك عندي بالصواب أن يقال : إنهما قراءتان مستفيضتان في قرأة الأمصار، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب، لصحة معنييهما.
وأما الحقّ الثاني، فلا اختلاف في نصبه بين قرّاء الأمصار كلهم، بمعنى : وأقول الحقّ. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا جرير، عن الأعمش، عن مجاهد، في قوله :( فالحَقّ والحَقّ أقُولُ ) : يقول الله : أنا الحقّ، والحقّ أقول.
وحُدثت عن ابن أبي زائدة، عن ابن جُرَيج، عن مجاهد :( فالحَقّ والحَقّ أقُولُ ) : يقول الله : الحقّ مني، وأقول الحقّ.
حدثنا أحمد بن يوسف، قال : حدثنا القاسم، قال : حدثنا حجاج، عن هارون، قال : حدثنا أبان بن تغلب، عن طلحة اليامي، عن مجاهد، أنه قرأها : فالحَقّ بالرفع والحَقّ أقُولُ نصبا وقال : يقول الله : أنا الحقّ، والحقّ أقول.
حدثنا محمد، قال : حدثنا أحمد، قال : حدثنا أسباط، عن السديّ، في قوله :( الحَقّ والحَقّ أقُولُ ) : قال : قسم أقسم الله به.