تأويلات أهل السنة — أبو منصور المَاتُرِيدي

عن الكتاب
الآية ١١٥ : وقوله تعالى :﴿ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسي ولم نجد له عزما﴾ قال الحسن وعامة أهل التأويل : إن قوله :﴿فنسي﴾ أي ضيع، وترك، ليس نسيان السهو، لأنه عوتب عليه، وعوقب به. ولا يعاتب المرء على ما هو حقيقة السهو والنسيان. فدل أنه على التضييع والترك، ليس على النسيان والسهو. إلى هذا يذهب هؤلاء. لكن يقبح هذا : أن يقال في آدم أو في نبي من أنبيائه أو في رسول من رسله ﷺ إنه(١) ضيع. والنسيان عندنا على قسمين [ أحدهما ] (٢) : نسيان يكون عن غفلة منه وشغل، ما لولا ذلك الشغل منه والغفلة، لحفظه، وذكره، ولا ينساه. [ والمعاتبة جائزة ] (٣) على هذا النسيان ؛ إذ لو كان تكلف لكان لا ينساه، ولا يقع فيه. [ والثاني : نسيان ] (٤) يقع فيه من غير سبب، كان منه، لا يملك دفعه. وذلك نسيان ما لا يعاتب عليه، ولا يعاقب به.
وهكذا الكلفة من الله تعالى والمحنة ؛ إنه جائز أن يكلف، ويمتحن من لا يعلم، ولا يعقل الكلفة وقت تكليفه إياه بعد أن يحتمل عقله إدراك ذلك لو استعمله.
فأما من كان عقله لا يحتمل إدراك ما كلفه، وإن استعمله، وأجهد نفسه فيه، فإنه لا يكلف البتة. فعلى ذلك النسيان الذي ذكر من آدم ؛ جائز أنه لو تكلف لحفظه(٥) وذكره. فإنما عوقب(٦) لذلك، والله أعلم.
وقوله تعالى :﴿ولم نجد له عزما﴾ قال الحسن : أي منعا من الشيطان. وقال بعضهم : صبرا نحوه. والعزم حقيقة القصد والقطع على الشيء، وهو ضد النسيان الذي ذكر.
١ في الأصل و م: أن..
٢ ساقطة من الأصل و م..
٣ في الأصل و م: وجائز المعاتبة..
٤ في الأصل و م: ونسيان آخر..
٥ في الأصل و م: حفظه..
٦ في م: عوتب..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى