مفاتيح الغيب — فخر الدين الرازي
عن الكتاب
ثم إنه سبحانه بعد هذه الوصية حكى عنهم شبهتهم، فكأنه من تمام قوله :﴿فاصبر على ما يقولون﴾ وهي قولهم :﴿لولا يأتينا بآية من ربه﴾ أوهموا بهذا الكلام أنه يكلفهم الإيمان من غير آية، وقالوا في موضع آخر :﴿فليأتنا بآية كما أرسل الأولون﴾ وأجاب الله تعالى عنه بقوله :﴿أو لم تأتهم بينة ما في الصحف الأولى﴾ وفيه وجوه : أحدها : أن ما في القرآن إذ وافق ما في كتبهم مع أن الرسول ﷺ لم يشتغل بالدراسة والتعلم وما رأى أستاذا ألبتة كان ذلك إخبارا عن الغيب فيكون معجزا. وثانيها : أن بينة ما في الصحف الأولى ما فيها من البشارة بمحمد ﷺ وبنبوته وبعثته. وثالثها : ذكر ابن جرير والقفال [ أن ] المعنى :﴿أو لم تأتهم بينة ما في الصحف الأولى﴾ من أنباء الأمم التي أهلكناهم لما سألوا الآيات وكفروا بها كيف عاجلناهم بالعقوبة فماذا يؤمنهم أن يكون حالهم في سؤال الآيات كحال أولئك، وإنما أتاهم هذا البيان في القرآن، فلهذا وصف القرآن بكونه :﴿بينة ما في الصحف الأولى﴾ واعلم أنه إنما ذكر الضمير الراجع إلى البينة لأنها في معنى البرهان والدليل.