الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي

عن الكتاب
قوله :﴿قَالَ عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي﴾ في خبر هذا المبتدأ أوجهٌ، أحدها : أنه " عند ربي " وعلى هذا فقولُه " في كتاب " متعلقٌ بما تعلق به الظرفُ من الاستقرار، أو متعلقٌ بمحذوفٍ على أنه حالٌ من الضمير المستتر في الظرف، أو خبرٌ ثان.
الثاني : أنَّ الخبرَ قولُه " في كتاب " فعلى هذا قولُه " عند ربي " معمولٌ للاستقرار الذي تعلَّق به " في كتاب " كا تقدَّم في عكسه، أو يكون حالاً من الضمير المستتر في الجارِّ الواقعِ خبراً. وفيه خلاف أعني تقديمَ الحالِ على عاملها المعنوي. والأخفش يجيزه ويستدلُّ بقراءة ﴿وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٍ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر: ٦٧] وقوله :
رَهْطُ ابنِ كوزٍ مُحقِبيْ أَدْراعِهمْفيهم ورَهْطُ رَبيعةَ بنِ حُذارِ
وقال بعَضُ النحويين : إنه إذا كان العاملُ معنوياً، والحالُ ظرفٌ أو عديلُه، حَسُن التقديمُ عند الأخفشِ وغيرِه، وهذا منه. أو يكونُ ظرفاً للعلم نفسه، أو يكونُ حالاً من المضاف إليه وهو الضمير في " عليها ". ولا يجوزُ أن يكونَ " في كتاب " متعلِّقاً ب " عِلْمها " على قولِنا إنَّ " عند ربي " الخبر كما جاز تعلُّقُ " عند " به لئلا يلزمَ الفصلُ بين المصدر ومعموله بأجنبي، وقد تقدم أنه لا يُخْبَرُ عن الموصول إلاَّ بعد تمامِ صلته.
الثالث : أن يكونَ الظرفُ وحرفُ الجرِّ معاً خبراً واحداً في المعنى، فيكونَ بمنزلةِ " هذا حُلْوٌ حامِض " قاله أبو البقاء، وفيه نظرٌ ؛ إذ كلُّ منها يستقلُّ بفائدةِ الخبريةِ، بخلاف " هذا حلو حامِضٌ ".
والضمير في " عِلْمُها " فيه وجهان، أظهرُهما : عَوْدُه على القرون. والثاني : عَوْدُه على القيامةِ للدلالةِ ذِكْرِ القرون على ذلك ؛ لأنه سأله عن بَعْثِ الأممِ، والبعثُ يدلُّ على القيامة.
قوله :﴿لاَّ يَضِلُّ رَبِّي﴾ في هذه الجملة وجهان، أحدهما : أنها في محلِّ جرٍّ صفةً ل " كتاب "، والعائدُ محذوفٌ، تقديرُه : في كتاب لا يَضِلُّه ربي، أو لا يَضِلُّ حِفْظَه ربي، ف " ربي " فاعل " يَضِلُّ " على هذا التقدير، وقيل : تقديرُه : الكتابَ ربي. فيكون في " يَضِلُّ " ضميرٌ يعود على " كتاب "، وربي منصوبٌ على التعظيمِ. وكان الأصلُ : عن ربي، فحُذِفَ الحرفُ اتِّساعاً، يُقال : ضَلَلْتُ كذا وضَلَلْتُه بفتح اللام وكسرها، لغتان مشهورتان وشُهراهما الفتحُ. الثاني : أنها مستأنفةٌ لا محلَّ لها من الإِعراب ساقها تبارك وتعالى لمجرد الإِخبارِ بذلك حكايةً عن موسى.
وقرأ الحسنُ وقتادة والجحدريُّ وعيسى الثقفي وابن محيصن وحَمَّاد بن سلمة " لا يُضِلُّ " بضم الياء أي : لا يُضِلُّ ربي الكتابَ أي : لا يُضَيِّعه يقال : أَضْلَلْتُ الشيءَ أي : أضعتُه.
ف " ربي " فاعلٌ على هذا التقدير. وقيل : تقديرُه : لا يُضِلُّ أحدٌ ربي عن علمه أي : عن علم الكتاب، فيكون الربُّ منصوباً على التعظيم.
وفرَّق بعضُهم بين ضَلَلْتُ وأَضْلَلْت فقال :" ضَلَلْتُ منزلي "، بغيرِ ألفٍ، و " أَضْلَلْت بعيري " ونحوَه من الحيوان بالألفِ. نقل ذلك الرمانيُّ عن العرب، وقال الفراء :" يقال : ضَلَلْتُ الشيءَ إذا أَخطأْتَ في مكانه وضَلِلْتُ لغتان، فلم تهتدِ له، كقولك : ضَلَلْتُ الطريقَ والمنزلَ ولا يُقال : أَضْلَلْتُه إلاَّ إذا ضاع منك كالدَّابة انفلَتَتْ، وشبهِها.
قوله :﴿وَلاَ يَنسَى﴾ في فاعل " يَنْسَى " قولان، أحدهما : أنه عائدٌ على " ربي " أي : ولا يَنْسى ربي ما أَثْبَتَه في الكتاب. والثاني : أنَّ الفاعلَ ضميرٌ عائدٌ على الكتاب على سبيل المجاز، كما أُسند إليه الإِحصاءُ مجازاً في قوله ﴿إِلاَّ أَحْصَاهَا﴾ [الكهف: ٤٩] لمَّا كان مَحَلاًّ للإِحصاء.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى